دراما نفسية إجرامية تُجسّد رحلة سلطان وفيصل، ابني عم بين الطموح والخيانة، ومواجهة التبعات الخطيرة لمسارهما، ضمن الدراما التشويقية السعودية “أحمر ولا أبيض“، للمخرج منير الزعبي، وهو من كتابة ومراجعة فريق تطوير المحتوى لأعمال “MBC شاهد الأصلية”، ويُعرض على “MBC شاهد“.
يرصد العمل انهيار علاقة ابني عم يصعدان من السرقات البسيطة إلى عالم الجريمة والاتجار غير المشروع بالمواد السامة، ليشّكلا عصابة من الخارجين عن القانون تنفّذ عمليات إجرامية في الظلال. وبينما يعمق الطمع الخيانة والشك بينهما ليشعلا حرب انتقام وطموح، تفرض الظروف القاسية والضغوط خيارات مصيرية تجمعهما مجدداً لمواجهة عدو مشترك يهدد وجودهما.
يذهب الخط الدرامي تدريجياً من الأخوّة إلى الشك، فالمواجهة، ثم السقوط. وتدور الأحداث حول صراع درامي محتدم بعدما يغدر أحد أبناء العمومة بابن عمّه لإزاحته من طريق السيطرة على السوق والتسبب في سجنه. وعقب خروجه من السجن، تتولد رغبة عارمة في الانتقام واستعادة السيطرة، لتتحول الأحداث إلى ساحة حرب بين الأطراف المتصارعة. وتصل الحبكة إلى ذروتها مع انكشاف المخاطر التي تلاحق الجميع، مما يضع الخصوم أمام خيارات مصيرية تزيد من تعقيد المهمة وخطورتها، وتضفي بعداً تشويقياً على مجريات الأحداث.
في المقابل، يبرز خط أمني متوازٍ يجسّد تفاني رجال القانون لتحقيق العدالة، مع التركيز على ذكاء وحرفية أجهزة الأمن، حيث تتضح قدرة قوة الأمن على معرفة طرق تفكير أفراد العصابة، وسبقهم لردود أفعالهم بخطوة. ومع تتالي التحقيقات يثبت أن كل خيط ينكشف يقود إلى خيط آخر، وبينما يعتقد المجرمون أنهم يسبقون رجال القانون بخطوة، تصدمهم الحقيقة لكن بعد فوات الأوان.
يضم العمل كوكبة من الممثلين منهم: محمد العيسى، إبراهيم الحساوي، فهد البتيري، محمد الراشد، فتون جار الله، سعيد صالح، أحمد التركي، وبمشاركة رنا جبران، تركي الشدادي، أصايل محمد، سارة الجابر، عماد العلي، وليد قشران، عبد الرحمن عبد الله، أحمد العليان، عبد العزيز السكيرين، عزيز بحيص، وآخرون. قام بالتأليف والتوزيع الموسيقي للعمل رضوان نصري، فيما أدى أغنية المقدمة له وهي من كلمات جمانة جمال، الفنان إبراهيم الحكمي.
محمد العيسى.. تناقض بين الحكمة وبركان الغضب
يخوض الفنان القدير محمد العيسى تجربة درامية مختلفة واستثنائية من خلال مشاركته في بطولة “أحمر ولا أبيض”، ويوضح أن شخصية “عبد المحسن” التي يجسدها، تعكس نمط الرجل التسلطي الذي يسعى إلى بسط نفوذه وسيطرته الكاملة على بيئة العمل والسوق. ويشير إلى أن “الرجل يتحرك وفق استراتيجية حذرة تسعى للتحكم بكافة التفاصيل وإبقاء الجميع تحت نطاق هيمنته”، معتبراً أن ما يجعل الدور ذا خصوصية فنية عالية هو التناقض الصارخ بين المظهر الخارجي والجوهر الداخلي؛ إذ يظهر للوهلة الأولى بقناع من الحكمة، والهدوء، والرزانة الظاهرة، بينما يختبئ خلف هذا السكون بركان متقد من الانفعالات العنيفة، والتي سرعان ما تتفجر في وجه كل من يحاول الخروج عن نطاق سلطته أو التمرد على قراراته، ليتحول بالتالي إلى شخص شرس وعنيف في ردود أفعاله، مؤكداً في سياق شخصيته أن “لكل خيار إجرامي عواقب وخيمة”.
على مستوى البُعد الإنساني والعلاقات الاجتماعية داخل الحبكة، تحكم علاقة “عبد المحسن” بإخوته وأفراد محيطه دوافع مركبة تتجاوز مفهوم العداء التقليدي إلى إطار يرتبط بالوصاية والحماية الأبوية الصارمة. ويؤكد العيسى سعادته بالتجربة، إذ يخوض من خلال هذا العمل نوعية جديدة كلياً من الأدوار التي تجمع بين الحركة والتعقيدات النفسية، والتنازع الدائم بين إظهار القوة أو تقديم بعض التنازلات وتحمل الضغوط في سبيل تحقيق هدف أسمى على حد تعبيره.
إبراهيم الحساوي.. الانزواء بين الانسحاب والصراع
يتحدث الفنان إبراهيم الحساوي عن أبعاد شخصية “عبد الله” واصفاً إياه بالشخصية العادية، لكنه اتخذ قراراً استثنائياً بالانسحاب والانزواء من شبكة معقدة وغير مستقرة. وعما إذا كان هذا الموقف ينم عن ضعف أم حكمة، يؤكد الحساوي أنه “قطعاً حكمة مطلقة”؛ مبرراً ذلك بأنه لو كان ضعيفاً لاستمر في الخضوع لمسلسل الابتزاز والتهديدات والضغوطات التي تفرضها تلك الشبكة، لكنه اختار الانزواء طواعية وبكامل إرادته.
وعن دوافعه الفنية لقبول هذا الدور، يؤكد الحساوي ميله الدائم للتنوع الدرامي، ورفضه البقاء حبيس أدوار الشر، معبراً عن ذلك بثقة قائلًا إنه يمتلك طموحاً لتقديم طيف واسع من الشخصيات المتنوعة التي لم يجسدها بعد. ويضيف أن “ما جذبني تحديداً لشخصية عبد الله هو عودتها إلى إنسانيتها الحقيقية، متمثلة في دور الأب الذي يكرس حياته للاهتمام بأسرته وأولاده؛ فرغم كونه ضحية لماضيه، إلا أنه يجد السكينة والاستقرار في مراقبة أبنائه وهم يكبرون أمامه“.
في المقابل، يكشف الحساوي عن كون الشخصية تعيش صراعاً داخلياً معقداً، يتجلى في تمرد أحد أبنائه، والمضايقات التي تتعرض لها ابنته الكبرى “نورا”، إلى جانب صدمة الخذلان من المقربين، مؤكداً أن النوايا السيئة والخيانة لا تُقرأ من ملامح الوجوه، وأن محاولات التقرب من بعض الشخصيات تفرز ألماً وصراعاً داخلياً مريراً. ويعكس هذا الخط الدرامي التركيز على الآثار السلبية المدمرة على صعيد العائلة والمجتمع، لتغدو العائلة ضحية لتلك الصراعات.
فهد البتيري.. الوقار والازدواجية الإجرامية المطلقة!
من جانبه، يقدم فهد البتيري شخصية “فيصل”، وهو النموذج الدرامي الأشد خطورة وخبثاً في حبكة العمل؛ فهو ليس مجرد شريك في الجريمة، بل المحرك الأساسي للازدواجية والانتهازية المطلقة. ويؤكد البتيري أن الدور يسلّط الضوء على الآثار المدمرة للأفعال والممارسات الإجرامية، ويعرض الاختيارات الأخلاقية التي ترسم التناقض بين شخصيتي المجرم ورجل القانون؛ فالرجل ليس مجرد شخص يتجاوز طموحه حدود إمكانياته، بل يخفي تاريخه الإجرامي المظلم خلف قناعٍ من الوقار والعاطفة العائلية.
ويشرح البتيري قائلاً إن فيصل يؤمن بعقيدة أن “الغاية تبرر الوسيلة”، ويتحرك بانتهازية مفرطة يمكن اختصارها في فلسفة “أنا ومن بعدي الطوفان!”. ويضيف: “إنه شخصية وصولية متناقضة تتجاوز مجرد الوجهين إلى أبعاد متعددة؛ حيث يضع مصالحه وطموحاته فوق كل حساب، ويخلص إلى القول إن فيصل يمثل الصورة النمطية للمجرم المتأنق الذي يستغل بيئته وعائلته كستار لحماية نفوذه وتمرير أجندته دون رادع”. ويتوقف البتيري عند الجانبين الأسري والعاطفي لفيصل، فيؤكد أنه يخوض تحوّلات حادة تعكس هشاشة البيئة التي يصنعها حوله. فعلى عكس الرؤية السطحية التي قد تظهره كزوج غائب، يوضح أن علاقة فيصل بزوجته تبدو مثالية حتى لحظة فارقة تنقلب معها طبيعة سلوكياته داخل المنزل، ليظهر وجهه الآخر ويتسلل التوتر والغدر إلى محيطه الأسري. ويمثّل هذا الدور تحولاً نوعياً في مسيرة فهد البتيري باينتقاله إلى دراما إجرامية وثقيلة تتطلب حفظاً عميقاً للتقلبات النفسية عبر المشاهد المختلفة.
محمد الراشد.. عالم العصابات والتنقل بين القوة والانكسار!
من جانبه، يكشف الممثل محمد الراشد عن تفاصيل مشاركته في صياغة فكرة العمل بالتعاون مع فريق التطوير، مشيراً إلى توجّه الحبكة المتشابكة نحو الخروج من إطار الكوميديا المعتاد إلى المساحة الدرامية المركبة التي تغوص في “عالم العصابات السفلي”، وما يتخلله من تجارة الممنوعات وسلوكيات الخيانة وسط بيئة قائمة على الخطيئة.
ويشير الراشد إلى أن البناء الدرامي للعمل يرتكز على صراع بين “أبناء العمومة” الذين تحولوا من أصدقاء الطفولة إلى أعداء على خلفية الطمع، شارحاً أبعاد شخصية “ناصر” بأنها شخصية صدامية وسريعة الغضب، وتسيطر عليها عاطفة جامحة ناتجة عن الانفعال. ويضيف أنه “على الرغم من الذكاء والقوة التي يبديها ناصر، إلا أن جوهر الشخصية يعكس إنساناً مجروحاً ومكسوراً، إذ يلاحقه الحزن جراء غدر أقرب الناس إليه الخيانة الزوجية“.
ويرى الراشد أن دوافع ناصر للانتقام نابعة من الخذلان والاندفاع؛ فهو إنسان تحرّكه العاطفة ويرزح تحت وطأة الصدمة جراء خيانة ابن عمه الذي زجّ به في السجن. ومع كل هذا التعاطف، يؤكد النص الدرامي على معنى هام وهو أن التعرض للظلم لا يبرر طريق الجريمة، وأن ناصر يمثل نموذج رجل أرهقته الضغوط ليتحول حزنه الدفين إلى رغبة عارمة في الانتقام، مقاداً بعاطفة مشتعلة تجعله يتنقل بين القوة الظاهرة والانهيار المحتوم.
المخرج منير الزعبي.. عالم بصري وإيقاع درامي يخدم القصة
أما المخرج منير الزعبي، فيرى أن “ما يميز أحمر ولا أبيض هو أنه لا يعتمد فقط على التشويق، بل على بناء شخصيات تحمل دوافع وصراعات إنسانية تجعل المشاهد قريباً منها حتى وإن كان يرفض أفعالها”. ويؤكد حرصه الشديد على تقديم عالم بصري وإيقاع درامي يخدم القصة ويمنحها هوية خاصة، بعيداً عن التقليد المباشر.
ويردف بالقول: “إننا نشاهد أعمالاً عالمية ونستفيد من تطور اللغة السينمائية، لكن مرجعيتنا الأساسية كانت النص والبيئة المحلية، لتقديم عمل يشعر المشاهد بأنه يتابع دراما حقيقية ينتمي إليها وبمستوى إنتاج وإخراج يواكب الأعمال العالمية”. ويضيف الزعبي موضحاً أن الخيارات الأخلاقية هي خيارات إنسانية بالأساس، والتركيز على هذا العامل يمنح العمل رسائل ذات نطاق وصول عالمي يمكن من خلالها مخاطبة المشاهد الأجنبي.
وعن فكرة جمعه نجوم الكوميديا في عمل يعتمد على التشويق، يشير إلى عدم نظره للممثل من خلال التصنيف التقليدي، بل من خلال قدراته التمثيلية، مؤكداً الرهان على هذه القدرات والعمل معهم على تفاصيل الشخصيات حتى يصدقهم المشاهد في عالم مختلف تماماً، مشدداً على أن مفاجأة الجمهور بمتابعتهم في أدوار جديدة هي إحدى نقاط قوة المسلسل.
في النهاية، لا يمجّد العمل الجريمة، بل يكشفها من الداخل في عالم ضيق وخانق، معرياً الأبعاد الإنسانية وموضحاً أن خلف كل فعل إجرامي كارثة إنسانية. يرسخ المسلسل حقيقة مفادها أن يد العدالة هي العليا، وأن تطبيق العدالة متواصل مهما كانت التحديات، إذ لا بد للعقول المجرمة أن تقع في قبضة العدالة والقانون في نهاية المطاف.