في إطار برمجة سينمائية مكثفة تتوالى عروضها من الثامنة والنصف صباحاً إلى ما بعد منتصف الليل ضمن فعاليات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، يجد الناقد نفسه أمام تدفق سينمائي غزير يتطلب اختياراً دقيقاً بين ما يستوجب الإضاءة النقدية الفورية وما يمكن تأجيله للعروض التجارية والمنصات الرقمية. وفي هذا السياق، برزت ثلاثة أعمال تسلط الضوء على أزمات إنسانية وسياسية واجتماعية بأساليب سينمائية متباينة.
“غضب”: سينما الأكشن في مواجهة الفساد ضمن قسم “سبوتلايت” المخصص للمواهب الجديدة، قدم المخرج اللبناني رامي قديح روائياً طويلاً أول بعنوان «غضب» (Furies)، بعد تجارب في السينما القصيرة. الفيلم ذو الهوية اللبنانية روحاً ومكاناً، وحظي بدعم إنتاجي من شركة “RT Features” الأميركية وإسهام قطري، برعاية أسماء بارزة في مقدمتها جورج كلوني كمنتج منفذ.
تتدور أحداث العمل في بيروت حول شقيقتين تصممان على سرقة مصرف حجب مدخراتهما، مستنداً إلى واقعة تجميد المصارف اللبنانية لعمليات الصرف عام 2022. ويتطرق الشريط صراحة إلى دور حكام مصرف لبنان والنافذين في مفاقمة الأزمة المالية. وتدفع الحالة الصحية للشقيقة الصغرى (ريم مروّة) المصابة بالسرطان، أختها الكبرى (ماريا ناكوزي) لإعداد خطة هدم الجدار الفاصل بين المصرف ومحل تجاري مجاور، بالاستعانة برجلين (عصام بو خالد وحسن عقيل) لإحداث إرباك خارجي.
ينتقل الفيلم في ثلثه الأخير من مساءلة الفساد إلى مسار الإثارة الحركية والمطاردات، معتمداً تقطيعاً سريعاً وإيقاعاً حثيثاً وفرضه المخرج بكفاءة، إلى جانب إسناد أدوار البطولة والقتال لشخصيات نسائية في تحول لافت للسينما العربية.
“مراقب”: الدراما الحوارية والجمود الاجتماعي في المقابل، اختار المخرج الإيراني محسن غرائي في فيلمه الرابع «مراقب» (Falling House)، الممول من شركة بريطانية والمصور في إيران، الاعتماد الكلي على الحوار المتواصل لنسج حكايته التي تمتد لـ 133 دقيقة.
يبدأ الفيلم بحوار بين حارس السجن “رشيد” (فرهاد أصلاني) والمسؤول عنه لدرء شبهات الرشوة، قبل أن تنتقل الكاميرا إلى منزله المهدد بالإزالة في منطقة مهدمة بالكامل بسبب مشروع طريق جديد. وينعكس التوتر العمراني على البنية العائلية؛ حيث تتصاعد الخلافات بين الأم والزوجة والابنة الراغبة في الهجرة لتصبح عارضة أزياء، وسط محاولات الأب لفرض سلطته. ورغم أداء أصلاني المتميز في تجسيد أزمة الرجل المحبط، إلا أن استمرار الحوار وتغييب المساحات الصامتة حدّا من التعبير الدرامي للبناء المكاني.
“Wild Horse Nine”: تفكيك الذاكرة والسياسة من جانبه، يقدم المخرج مارتن مكدونا في عمله الجديد «Wild Horse Nine» معالجة إنسانية وسياسية تدور أحداثها عام 1973 في “جزيرة إيستر” التابعة لتشيلي، قبيل الانقلاب العسكري على سلفادور ألليندي.
يجمع الفيلم بين جون مالكوفيتش في دور “كريس”، عميل الاستخبارات الأميركية المصاب بالسرطان والذي يعتزم نشر مذكراته حول عمليات الوكالة، وسام روكويل في دور “لي”، العميل المكلف من رئيسه (ستيف بوشيمي) بتصفية كريس لمنع تسريب الأسرار. وتتعقد الحبكة مع ظهور فتاتين تشيليتين (ماريانا دي جيرولامو وأيلين سالاس)، ليتحول الشريط إلى دراما ثنائية تبحث في مواقف الماضي المتقاطعة بين الواجب والتقدير الإنساني.