شهدت الدورة الـ82 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي لحظة مميزة للسينما السعودية، مع العرض العالمي الأول لفيلم “هجرة” للمخرجة السعودية المبدعة شهد أمين، وذلك ضمن قسم “فينيسيا سبوتلايت – Venezia Spotlight”، أحد الأقسام البارزة التي تتيح للأعمال الجديدة مساحة للوصول إلى جمهور عالمي واسع.
حضور لافت على السجادة الحمراء
حرص صُنّاع الفيلم على مرافقة العمل في عرضه الأول، حيث حضرت المخرجة شهد أمين إلى جانب طاقم التمثيل، وفي مقدمتهم خيرية نظمي، لمار فادن، ورغد بخاري. كما شهدت المناسبة حضورًا لعدد من الشخصيات البارزة في صناعة السينما السعودية والعربية، من بينهم فيصل بالطيور المدير التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، والمنتجون محمد جبارة الدراجي، محمد حفظي، وعلي جبارة الدراجي. هذا الحضور المتنوع يعكس دعمًا مؤسسيًا وفنيًا متزايدًا للسينما السعودية في المحافل الدولية.
عودة شهد أمين إلى البندقية
يُعد “هجرة” محطة جديدة في مسيرة شهد أمين، التي سبق أن تركت بصمتها في المهرجان نفسه من خلال فيلمها الأول “حراشف”، والذي حصد أكثر من 15 جائزة دولية وفتح الباب أمام السعودية للمنافسة على جوائز الأوسكار. عودتها اليوم إلى البندقية بفيلمها الجديد تعكس ثقة عالمية متزايدة في صوتها السينمائي المتميز، وتضعها بين أبرز المخرجات العربيات اللواتي يصنعن حضورًا دوليًا ثابتًا.
قصة “هجرة”: بين الروحانية والدراما الإنسانية
يحكي الفيلم قصة إنسانية عميقة تدور حول ثلاث نساء سعوديات من أجيال مختلفة، تجمعهن رحلة إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. تتصدر الأحداث الطفلة جنى (12 عامًا)، التي ترافق جدتها الصارمة وشقيقتها المراهقة المتمردة سارة (18 عامًا). لكن الرحلة التي تبدأ بطابع روحي تتحول إلى دراما مأساوية حين تختفي سارة قبل الوصول إلى مكة، ما يضطر الجدة والحفيدة إلى البحث عنها عبر الصحراء.
يمتد مسار الشخصيات من جنوب المملكة إلى شمالها، عبر طرق الحج القديمة، ليكشف الفيلم عن مواجهة بين الماضي والحاضر، بين التقاليد والتمرد، وبين الإيمان والبحث عن الحرية. ومن خلال هذه الرحلة، تظهر خفايا من ماضي الجدة، لتبرز الفجوة بين الأجيال النسائية الثلاث، في معالجة درامية تمزج بين البعد الروحاني والبعد الإنساني في آن واحد.
دعم البحر الأحمر ودفع السينما السعودية إلى الأمام
حصل فيلم “هجرة” على دعم من صندوق البحر الأحمر السينمائي، وهو ما يعكس دور المؤسسة البارز في تمكين المواهب السعودية والعربية ودفعها إلى منصات عالمية. لم تقتصر مشاركة السعودية في فينيسيا هذا العام على “هجرة” فقط، بل حضرت أيضًا عبر أنشطة أخرى مثل عرض فيلم “نجوم الأمل والألم” للمخرج اللبناني سيريل عريس ضمن “أيام المؤلفين”، بعد أن تم تطويره بدعم من معامل البحر الأحمر وصندوقها وسوقها السينمائي.
هذا الحضور المكثف يبرهن على أن السينما السعودية لم تعد مجرد ضيف جديد على المهرجانات الكبرى، بل أصبحت لاعبًا أساسيًا يُحسب له حساب.
نحو اعتراف عالمي أوسع
مع عرض “هجرة”، تتقدم السينما السعودية بخطوة جديدة نحو العالمية، خاصة أن الفيلم مرشح لأن يلقى اهتمامًا نقديًا واسعًا لما يحمله من رؤية بصرية وسردية تعكس روحًا محلية بطابع إنساني عالمي. فالموضوعات التي يطرحها – العلاقة بين الأجيال، الروابط العائلية، والسفر الروحي – تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، ما يجعلها قريبة من قلوب جمهور متنوع في مختلف أنحاء العالم.
إن مشاركة “هجرة” في مهرجان البندقية ليست مجرد إنجاز فردي لشهد أمين أو لفريق العمل، بل هي إضافة نوعية لمسيرة السينما السعودية التي باتت تسعى بثبات إلى حجز مكانها بين كبار صناعة السينما العالمية. وبينما تستمر الدورة الحالية من المهرجان حتى سبتمبر المقبل، يظل الفيلم محط أنظار النقاد والجمهور، في انتظار أن يكتب فصلًا جديدًا من فصول نجاحات السعودية على الساحة السينمائية الدولية