بعد افتتاح حمل توقيع النجوم الكبار وتكريم جورج كلوني بالأسد الذهبي للإنجاز مدى الحياة، واصل مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في يومه الثاني تقديم واحدة من أكثر السجادات الحمراء أناقة وتميزًا، حيث بدا واضحًا أن الموضة اختارت هذه المرة العودة إلى الماضي، مستعيدةً بريق العقود الذهبية وروح التصاميم الأرشيفية التي صنعت تاريخ دور الأزياء العالمية.
ففي اليوم الثاني من الدورة الـ83 للمهرجان، تحولت جزيرة ليدو إلى مسرح مفتوح للأزياء الفاخرة، مع حضور لافت للفساتين المستوحاة من حقب مختلفة، وسيطرة واضحة للألوان الداكنة، خصوصًا الأسود، إلى جانب لمسات محدودة من الأبيض والأحمر والألوان المعدنية.
ولم تكن الأزياء الأرشيفية مجرد اختيار جمالي عابر، بل بدت وكأنها الاتجاه الأبرز للسجادة الحمراء، في رسالة تعكس عودة عالم الموضة إلى البحث في أرشيف كبار المصممين وإعادة تقديم قطع صنعت تاريخًا خاصًا، لكن بروح تناسب نجوم الجيل الحالي.
وكان اسم المصمم الإيطالي الراحل جورجيو أرماني حاضرًا بقوة في تفاصيل اليوم الثاني، سواء من خلال التصاميم الأرشيفية أو إطلالات حملت بصمته، ليؤكد أرماني مرة أخرى أن تأثيره في الموضة العالمية يتجاوز الزمن، وأن غيابه عن المشهد لا يعني غياب إرثه.
كيندال جينر.. أرشيف أرماني يعود إلى السجادة الحمراء
ومن بين أكثر الإطلالات التي جذبت الأنظار خلال اليوم الثاني، جاءت إطلالة عارضة الأزياء الأميركية كيندال جينر، التي اختارت الظهور بفستان أرشيفي من دار جورجيو أرماني يعود إلى مجموعة خريف وشتاء 1995.
واختارت جينر فستانًا أنيقًا بتدرجات الذهبي والرملـي، مزينًا بتطريزات لامعة وتفاصيل مستوحاة من الزهور، في تصميم أعاد إلى السجادة الحمراء أجواء حقبة التسعينيات، إحدى أكثر الفترات التي ارتبطت بالخط الأنيق والهادئ في أزياء أرماني.
وبدا الاختيار مدروسًا بعناية، خصوصًا أن جينر هي الوجه العالمي لعطر «Power of You» من إمبوريو أرماني، ما جعل حضورها في فينيسيا امتدادًا طبيعيًا لعلاقتها الحالية بالعلامة الإيطالية.
ووفقًا لـ«Vogue Italia»، اختارت جينر القطعة الأرشيفية تحديدًا من مجموعة خريف وشتاء 1995، لتمنح تصميمًا يعود إلى ثلاثة عقود فرصة جديدة للظهور أمام عدسات المصورين على واحدة من أهم السجادات الحمراء في العالم.
وجاء الفستان مزينًا بتفاصيل براقة بدرجات الذهب والبيج، بينما حافظت جينر على بقية عناصر الإطلالة بقدر كبير من البساطة، فاختارت صندلًا بلون النيود بكعب رفيع، ومجوهرات ماسية من Briony Raymond، إلى جانب مكياج ناعم وتسريحة شعر منسدلة بفرق جانبي، ما سمح للفستان بأن يكون البطل الأساسي للمشهد.
وبهذا الاختيار، نجحت جينر في تقديم واحدة من أكثر الإطلالات انسجامًا مع الاتجاه الأرشيفي الذي طغى على اليوم الثاني، مؤكدة أن الأناقة لا تحتاج بالضرورة إلى تصميم جديد حتى تبدو معاصرة؛ فأحيانًا يكفي إخراج قطعة تاريخية من أرشيفها وإعادة تقديمها في التوقيت والمكان المناسبين.
أرماني.. الغائب الحاضر في فينيسيا
كان من اللافت أن اسم جورجيو أرماني ظل حاضرًا بقوة خلال اليوم الثاني، رغم غياب المصمم الإيطالي عن المشهد بعد رحيله، إذ تحولت تصاميمه وإرثه إلى أحد أبرز عناصر الأناقة التي طبعت هذه الدورة.
ويبدو اختيار النجوم لتصاميم أرماني الأرشيفية بمثابة تأكيد جديد على أن لغة المصمم الإيطالي لا تزال قادرة على منافسة أحدث صيحات الموضة، خصوصًا تلك التي تقوم على القصات النظيفة، والخطوط الهادئة، والترف غير الصاخب.
وفي حالة كيندال جينر، بدا الفستان وكأنه يستعيد صورة نجمة من حقبة التسعينيات، لكن مع حضور عصري فرضته شخصية العارضة وطريقة تنسيقها للإطلالة.
ولم يكن أرماني وحده حاضرًا من خلال الأرشيف، إذ كشفت إطلالات اليوم الثاني عن ميل عام نحو استعادة الموضة القديمة، سواء عبر الفساتين أو المجوهرات أو حتى تسريحات الشعر، في مشهد جعل السجادة الحمراء أقرب إلى حوار بين الماضي والحاضر.
الشقيقتان مارا.. أناقة مختلفة رغم التناغم
ومن أكثر اللحظات اللافتة في اليوم الثاني، كان حضور الشقيقتين روني مارا وكيت مارا معًا على السجادة الحمراء، بالتزامن مع العرض العالمي الأول لفيلمهما المشترك Bucking Fastard للمخرج الألماني فيرنر هيرتزوغ.
ويمثل الفيلم أول تعاون سينمائي يجمع الشقيقتين على الشاشة، حيث تؤديان شخصيتي شقيقتين توأم ترتبطان بعلاقة استثنائية إلى درجة التحدث في الوقت نفسه ومشاركة الأحلام والحب نفسه. وقد أصبحت هذه العلاقة بين الشخصيتين جزءًا أساسيًا من الحكاية التي يقدمها الفيلم في المسابقة الرسمية.
لكن المفارقة اللافتة أن الشقيقتين، رغم تشابه حضورهما وتنسيقهما المتناغم، اختارتا على السجادة الحمراء إطلالتين مختلفتين تمامًا.
ظهرت روني مارا بإطلالة سوداء أنيقة ذات طابع أرشيفي واضح، اعتمدت على فستان بقصة قريبة من فساتين الـSlip، مع نهاية ضخمة ومنتفخة أضفت لمسة درامية على التصميم.
أما كيت مارا، فاختارت فستانًا من أرماني بريفيه، مرصعًا بالترتر واللؤلؤ، ليمنحها حضورًا أكثر لمعانًا، مع الحفاظ على اللون الأسود الذي بدا كأنه القاسم المشترك بين عدد كبير من إطلالات اليوم. وقد وصفت تغطيات الموضة الإيطالية الإطلالتين بأنهما من أبرز لحظات السجادة الحمراء في اليوم الثاني.
ولم يكن التناغم بين الشقيقتين صدفة، إذ عملت كل منهما مع منسق أزياء مختلف، لكن النتيجة النهائية بدت متكاملة، حيث حافظت روني وكيت على هوية بصرية مشتركة دون الوقوع في فخ الظهور بإطلالتين متطابقتين.
القبعات تضيف الغموض إلى السجادة الحمراء
ومن العناصر التي لفتت الانتباه خلال اليوم الثاني أيضًا، حضور القبعات إلى جانب الفساتين المسائية، في اتجاه أعاد إلى الأذهان صور نجمات السينما في العقود الماضية.
فالقبعة لم تعد مجرد إكسسوار إضافي، بل تحولت في بعض الإطلالات إلى جزء أساسي من التصميم، خصوصًا مع اختيار خامات فاخرة وقصات مستوحاة من قبعة «فيدورا» التي ارتبطت تاريخيًا بالأناقة الكلاسيكية والغموض.
وقد منحت هذه القبعات الإطلالات طابعًا سينمائيًا واضحًا، وكأن بعض النجمات يستعدن صورة بطلات الأفلام القديمة، حين كانت القبعة جزءًا من شخصية المرأة وليس مجرد قطعة لإكمال المظهر.
وجاء الجمع بين الفساتين الطويلة والقبعات الراقية ليمنح السجادة الحمراء في فينيسيا شخصية مختلفة، أكثر هدوءًا وغموضًا، وأقل اعتمادًا على الاستعراض المباشر.
الأسود يفرض حضوره
وبعيدًا عن بعض الاستثناءات، بدا اللون الأسود هو سيد اليوم الثاني بلا منافس تقريبًا.
اختيارات عديدة اعتمدت على اللون الأسود، لكن كل تصميم حاول تقديمه بطريقة مختلفة؛ فهناك من لجأ إلى الأقمشة اللامعة، ومن اختار الدانتيل، بينما اعتمد آخرون على القصات الهندسية أو التفاصيل ثلاثية الأبعاد.
وهنا ظهرت قوة السجادة الحمراء في فينيسيا؛ فحتى اللون الواحد يمكن أن يتحول إلى عشرات اللغات البصرية المختلفة عندما تتولى تصميمه أسماء كبيرة في عالم الأزياء.
وفي المقابل، جاءت بعض الإطلالات البيضاء والملونة لتكسر هيمنة الأسود وتمنح المشهد قدرًا من التنوع، بينما حافظت الألوان المعدنية والذهبية على حضورها باعتبارها واحدة من أكثر الخيارات انسجامًا مع أجواء المهرجان المسائية.
أورلاندو بلوم.. حضور هوليوودي كلاسيكي
ولم تقتصر الأنظار على النجمات، إذ كان النجم البريطاني أورلاندو بلوم من أبرز الوجوه التي وصلت إلى السجادة الحمراء في اليوم الثاني، لحضور العرض الأول لفيلم Bucking Fastard.
واختار بلوم بدلة داكنة كلاسيكية، مع قميص أبيض وربطة عنق، مضيفًا لمسة من المجوهرات إلى الإطلالة، في اختيار حافظ على الصورة التقليدية لنجم هوليوودي على السجادة الحمراء.
وكان وصوله إلى المهرجان من أكثر اللحظات التي أثارت حماس الجمهور، حيث تجمع عدد من المعجبين منذ وقت مبكر لرؤيته، قبل أن يلتقي بزميلتيه روني وكيت مارا على السجادة الحمراء.
«Bucking Fastard».. السينما تتصدر المشهد
وبعيدًا عن الأزياء، حمل اليوم الثاني برنامجًا سينمائيًا قويًا، إذ شهد العرض العالمي الأول لفيلم Bucking Fastard للمخرج الألماني المخضرم فيرنر هيرتزوغ، ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان.
ويجمع الفيلم روني مارا وكيت مارا وأورلاندو بلوم ودومنال غليسون، ويقدم قصة غير تقليدية عن شقيقتين توأم تجمعهما علاقة استثنائية، في تجربة دفعت الشقيقتين إلى أداء مشاهدهما بتزامن دقيق.
وقد حظي الفيلم باهتمام واسع، خصوصًا أن مشاركة روني وكيت معًا شكلت حدثًا بحد ذاته، فيما يمثل حضور هيرتزوغ في المسابقة عودة جديدة لمخرج صاحب مسيرة طويلة إلى دائرة المنافسة على الأسد الذهبي.
كما شهد اليوم نفسه حضورًا قويًا لفيلم Wild Horse Nine للمخرج مارتن ماكدونا، بمشاركة جون مالكوفيتش وسام روكويل وستيف بوشيمي، إلى جانب عروض أخرى ضمن أقسام المهرجان المختلفة.
فينيسيا تعيد تعريف السجادة الحمراء
يكشف اليوم الثاني من مهرجان فينيسيا أن السجادة الحمراء لم تعد مجرد مساحة لاستعراض أحدث التصاميم، بل أصبحت منصة لإعادة قراءة تاريخ الموضة وإحياء قطع أرشيفية ومنحها حياة جديدة.
فما بين فستان كيندال جينر الذهبي من أرشيف أرماني، وإطلالتي روني وكيت مارا، والحضور المتزايد للقبعات والتصاميم ذات الطابع الكلاسيكي، بدا أن الموضة في فينيسيا اختارت أن تتذكر من أين بدأت قبل أن تنظر إلى أين تتجه.
وكان اللافت أن هذا الاتجاه لم يجعل الإطلالات تبدو قديمة، بل على العكس، منحها طابعًا خالدًا، خصوصًا عندما اجتمعت التصاميم التاريخية مع تسريحات شعر ومكياج وتنسيقات عصرية.
وهنا تكمن خصوصية مهرجان فينيسيا؛ فهو لا يفرض على النجوم أن يكونوا الأكثر صخبًا، بل يمنحهم مساحة ليكونوا الأكثر تميزًا.
وفي اليوم الثاني، كان الماضي حاضرًا بقوة، لكن من دون أن يطغى على الحاضر. فقد عادت قطع من التسعينيات، واستعاد الأسود مكانته، وظهرت القبعات كعنصر غامض وأنيق، بينما وقفت نجمات مثل كيندال جينر وروني مارا وكيت مارا أمام عدسات العالم ليقدمن قراءة جديدة لأناقة الزمن الجميل.
وهكذا، أثبتت فينيسيا مرة أخرى أن سحرها لا يصنعه البحر الأحمر المحيط بجزيرة ليدو ولا قصور المدينة التاريخية فقط، بل ذلك التداخل الفريد بين السينما والموضة والتاريخ والنجومية، حيث يمكن لفستان عمره أكثر من ثلاثين عامًا أن يصبح حديث العالم من جديد، وحيث تستطيع السجادة الحمراء أن تحوّل لحظة عابرة إلى صورة تبقى في ذاكرة الموضة.