وسط أضواء السجادة الحمراء وبريق النجوم الذين توافدوا من مختلف أنحاء العالم إلى الدورة الحالية من مهرجان كان السينمائي، نجح نجم هوليوود جون ترافولتا في خطف الأنظار خلال واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا وإثارة في المهرجان، بعدما فاجأ المنظمون الحضور بمنحه “السعفة الذهبية الفخرية” تكريمًا لمسيرته السينمائية الطويلة والاستثنائية، في أمسية تحولت إلى احتفال عالمي بتاريخ أحد أبرز وجوه السينما الأمريكية.
ولم يكن التكريم حدثًا عاديًا داخل قصر المهرجانات في مدينة كان، بل بدا وكأنه لحظة وفاء متأخرة لنجم صنع جزءًا مهمًا من ذاكرة هوليوود، ورافق أجيالًا كاملة بأدواره التي تحولت إلى علامات خالدة في تاريخ السينما العالمية.
ودخل ترافولتا القاعة وسط تصفيق حار استمر لدقائق طويلة، بينما ارتسم التأثر بوضوح على ملامحه خلال صعوده إلى المسرح لتسلّم الجائزة، في مشهد وصفه كثير من النقاد والحاضرين بأنه من أكثر اللحظات الإنسانية صدقًا في الدورة الحالية للمهرجان.
وبصوت اختلطت فيه الدهشة بالمشاعر، قال النجم الأمريكي أمام الحضور: “لا أصدق ذلك.. إنها تفوق جائزة الأوسكار”، وهي العبارة التي سرعان ما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية، خصوصًا أن ترافولتا، رغم تاريخه السينمائي الضخم، لم يسبق له الفوز بجائزة أوسكار طوال مسيرته الفنية.
هذا التكريم لم يكن مجرد احتفاء بممثل شهير، بل بدا وكأنه إعادة اعتبار لمسيرة فنية استثنائية امتدت لعقود، استطاع خلالها جون ترافولتا أن يتحول من شاب مهووس بالرقص والموسيقى إلى أحد أهم رموز السينما الأمريكية وأكثرها شعبية وتأثيرًا.
واختار منظمو مهرجان كان إبقاء الجائزة سرية حتى اللحظات الأخيرة، قبل أن يفاجئوا الجمهور بصعود ترافولتا إلى المسرح مباشرة بعد العرض الأول لفيلمه الجديد “بروبيلر وان-واي نايت كوتش”، في لقطة جمعت بين التكريم والاحتفاء ببداية مرحلة جديدة في حياته الفنية، خصوصًا أن العمل يمثل أول تجربة إخراجية كاملة له.
ويحمل الفيلم أهمية خاصة بالنسبة إلى النجم الأمريكي، ليس فقط لأنه يقف خلف الكاميرا للمرة الأولى، بل لأنه شارك أيضًا في كتابة قصته المستوحاة من كتاب أطفال ألّفه بنفسه قبل سنوات، في مشروع وصفه بأنه “الأكثر قربًا من قلبه”.
ويروي الفيلم قصة شاب شغوف بالطيران منذ طفولته، يحلم بالوصول إلى هوليوود، قبل أن ينطلق في رحلة طويلة برفقة والدته عبر عالم الطائرات والسفر والمغامرات، ضمن أحداث تدور في العصر الذهبي للطيران الأمريكي، بينما تعكس تفاصيل السيناريو جوانب كثيرة من حياة ترافولتا الشخصية، وعلاقته المبكرة بالطائرات وعشقه القديم للسينما.
ويعرف عن جون ترافولتا شغفه الكبير بعالم الطيران، إذ يمتلك رخصة طيران منذ سنوات طويلة، كما يملك طائرات خاصة قادها بنفسه في مناسبات عديدة، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون الفيلم بمثابة سيرة ذاتية مقنّعة تكشف جزءًا خفيًا من شخصية النجم الأمريكي بعيدًا عن الكاميرات.
ومن بين أكثر اللحظات المؤثرة في العمل، مشاركة ابنته إيلا بلو ترافولتا في بطولة الفيلم، في خطوة أضفت طابعًا عائليًا وإنسانيًا على المشروع، خصوصًا بعد السنوات الصعبة التي عاشها النجم إثر وفاة زوجته كيلي بريستون عام 2020، وهي الخسارة التي تركت أثرًا عميقًا في حياته الشخصية والفنية.
وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب العرض، أكد ترافولتا أنه لم يكن يتوقع أبدًا أن يتم اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان كان، مشيرًا إلى أنه فوجئ بقبول العمل في “أعرق مهرجان سينمائي في العالم”، على حد وصفه، وهو ما زاد من قيمة اللحظة بالنسبة إليه.
ويُعتبر جون ترافولتا أحد أبرز نجوم هوليوود الذين استطاعوا الحفاظ على حضورهم لعقود طويلة، بعدما تحول إلى ظاهرة عالمية في نهاية السبعينيات بفضل فيلم Saturday Night Fever، الذي لم يكن مجرد نجاح سينمائي، بل شكّل ثورة ثقافية كاملة نقلت موسيقى الديسكو والرقص إلى واجهة السينما العالمية.
وأصبح ترافولتا حينها رمزًا لجيل كامل، بفضل أسلوبه المختلف وحضوره الكاريزمي وقدرته على الجمع بين الأداء التمثيلي والاستعراض الراقص، قبل أن يواصل نجاحاته في أفلام أخرى رسخت مكانته كأحد أكثر نجوم شباك التذاكر شعبية في العالم.
لكن التحول الأكبر في مسيرته جاء خلال التسعينيات، عندما أعاد المخرج كوينتين تارانتينو تقديمه للجمهور بطريقة مختلفة عبر فيلم Pulp Fiction، حيث قدم شخصية “فينسنت فيغا” التي تحولت إلى واحدة من أشهر الشخصيات في تاريخ السينما الحديثة.
وحقق الفيلم نجاحًا استثنائيًا، كما حصد السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1994، ليصبح العمل الذي أعاد إحياء مسيرة ترافولتا الفنية وفتح أمامه أبواب مرحلة جديدة أكثر نضجًا وقوة.
ويرى كثير من النقاد أن تكريم ترافولتا اليوم في كان يحمل رمزية خاصة، لأن المهرجان الذي ساهم قبل أكثر من ثلاثين عامًا في إعادة اكتشافه، يعود اليوم ليحتفي به كواحد من أساطير الشاشة الكبيرة.
ويأتي هذا التكريم أيضًا في وقت يشهد فيه مهرجان كان اهتمامًا متزايدًا بالأعمال التي تمزج بين السيرة الذاتية والتجارب الإنسانية، حيث باتت القصص الشخصية والمشاريع ذات الطابع العاطفي تحظى بمكانة خاصة داخل المهرجان، بعيدًا عن السينما التجارية التقليدية.
وبين دموع التأثر، وتصفيق الحضور، والاحتفاء بتاريخ طويل من النجاحات، بدا جون ترافولتا وكأنه يعيش واحدة من أهم لحظات حياته الفنية، لحظة تؤكد أن بعض النجوم لا يحتاجون إلى الأوسكار ليخلدهم التاريخ، لأن السينما نفسها تتحول مع الزمن إلى شاهد حي على استثنائيتهم.