مهرجان برلين السينمائي يحتفي بالأصوات الجديدة في دورته ال76

انطلقت أمس في العاصمة الألمانية برلين فعاليات الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، في لحظة يختلط فيها الفن بالسياسة، والذاكرة بالمنفى، والحلم بواقع عالم يتغير بوتيرة متسارعة. وعلى امتداد عشرة أيام، تعود “البرليناله” لتؤكد مكانتها كأحد أكثر المهرجانات العالمية التزاماً بالسينما بوصفها أداة طرح للأسئلة لا مجرد منصة للعرض.

هذا العام، يتولى رئاسة لجنة التحكيم المخرج الألماني الكبير فيم فيندرس، أحد أبرز الأصوات السينمائية التي لطالما ربطت بين البعد الإنساني والجمالي في أعمالها. وجود فيندرس على رأس اللجنة يمنح الدورة الحالية بعداً رمزياً، إذ يجسد مسيرته فكرة السينما العابرة للحدود، التي ترى في الصورة لغة كونية تتجاوز الانتماءات الضيقة.

افتتاح يعكس روح الزمن

افتتح المهرجان فعالياته بفيلم “لا رجال خيرون”، وهو عمل درامي يتتبع قصة مصورة صحفية تعمل في أفغانستان، في سياق يعكس هشاشة الحياة تحت وطأة التحولات السياسية والاجتماعية. الفيلم ليس مجرد حكاية شخصية، بل شهادة بصرية عن زمن مضطرب، وعن مصير النساء اللواتي يجدن أنفسهن في قلب الصراعات.

وتحمل قصة العمل بعداً ذاتياً واضحاً، إذ تقف خلفه المخرجة الأفغانية شهر بانو سادات التي غادرت بلدها عام 2021 عقب عودة طالبان إلى الحكم، لتستقر لاحقاً في مدينة هامبورغ. بهذا المعنى، يبدو الفيلم امتداداً لسيرتها، ومحاولة لإعادة بناء الوطن عبر الصورة، بعدما تعذر ذلك على أرض الواقع.

اختيار هذا العمل للافتتاح لم يكن قراراً جمالياً فحسب، بل موقفاً ثقافياً يعكس توجه البرليناله نحو دعم الأصوات القادمة من مناطق الهامش أو من تجارب المنفى، حيث تصبح السينما شكلاً من أشكال النجاة.

حضور نجومي… وتكريم لمسيرة استثنائية

رغم الطابع الفكري الواضح للدورة، لم تغب البهجة عن السجادة الحمراء في ميدان بوتسدام، حيث اجتمع عدد من أبرز نجوم السينما العالمية. وكان من بين الحاضرين النجمة العالمية ميشيل يوه، التي تواصل ترسيخ مكانتها كواحدة من أكثر الممثلات تأثيراً في جيلها، بعد نجاحها في أعمال مثل

Everything Everywhere All at Once

وWicked.

ومن المنتظر أن تتسلم يوه جائزة الدب الذهبي الفخرية تقديراً لمسيرتها الفنية، في لحظة تحتفي فيها البرليناله ليس فقط بالنجاح، بل بالمسارات التي كسرت الصور النمطية ووسعت حدود التمثيل الآسيوي في السينما العالمية.

كما يُتوقع أن تشهد الأيام المقبلة حضور أسماء لامعة، من بينها باميلا أندرسون وإيثان هوك إلى جانب الفنانة البريطانية شارلي إكس سي إكس، ما يعكس التوازن الذي يسعى إليه المهرجان بين السينما الفنية والجاذبية الجماهيرية.

السينما كمرآة للعالم

لا ينفصل برنامج هذه الدورة عن السياق الدولي الراهن، إذ يواصل المهرجان تقليده العريق في الانحياز للأعمال التي تطرح أسئلة حول الهوية والمنفى والحرية. فاختيار فيلم من توقيع مخرجة تعيش تجربة اللجوء ينسجم مع تاريخ البرليناله، الذي طالما احتفى بالسينما القادمة من مناطق النزاع والتحولات.

هنا، لا تبدو السينما مجرد ترف ثقافي، بل وسيلة لفهم العالم. إنها محاولة لإعادة صياغة السرديات، ومنح الكاميرا لمن لم يمتلكوها من قبل.

عشرة أيام من الحوار البصري

تمتد فعاليات المهرجان حتى 22 فبراير، حيث ستتحول برلين إلى ملتقى عالمي لصناع السينما والنقاد والجمهور، في حوار مفتوح حول ما يمكن أن تفعله الصورة في زمن الأزمات.

في النهاية، تبدو الدورة السادسة والسبعون من البرليناله وكأنها تطرح سؤالاً أساسياً: هل تستطيع السينما أن تكون بيتاً للمنفيين؟

الجواب، على ما يبدو، يبدأ من هنا… من شاشة تفتح نافذة على العالم، حتى لأولئك الذين فقدوا أوطانهم

Comments (0)
Add Comment