هناء شباب.. حين يُنتزع التراث من سياقه بين حرية الإبداع وتوظيف الفن في الخطاب السياسي

إن النقاش الذي أُثير حول أداء الفنانة كريمة غيث لعبارة «اللهم الزهو ولا زواج القهرة» يستحق أن يُناقش بقدر أكبر من الموضوعية والمعرفة بالسياق الثقافي المغربي، بعيدًا عن المزايدات السياسية والأحكام الأخلاقية الجاهزة. لأن القضية هنا تتجاوز فنانة أو مهرجانًا، لتطرح سؤالًا أعمق حول علاقتنا بتراثنا الشفهي وكيفية قراءة الأغنية الشعبية المغربية.

فالتراث الشفهي لا يُقرأ كما يُقرأ نص قانوني أو خطاب سياسي أو بيان أيديولوجي، وإنما هو نتاج ذاكرة جماعية تشكلت عبر التداول والتناقل وإعادة الأداء من جيل إلى جيل، واختلطت داخلها الحكمة بالمجاز، والسخرية بالمبالغة، والجد بالهزل.

ومن خصائص هذا التراث أن النصوص والعبارات تنتقل بين المؤدين والجمهور، وتتغير طرق أدائها بحسب المكان والزمان والسياق، ولذلك يصعب في كثير من أشكال الغناء الشعبي اختزال النص في مؤلف واحد، أو تحميل فنان واحد مسؤولية عبارة عاشت في التداول الشعبي قبله.

وهذه ليست خصوصية لهذا المقطع، بل سمة معروفة في الثقافة الشفهية المغربية، من العيطة والملحون والطقطوقة الجبلية، إلى الحلقة والأمثال والأزجال والأغاني المتداولة في الأعراس والمواسم والسهرات.

فالثقافة الشعبية المغربية لم تكن يومًا خطابًا وعظيًا أحادي المعنى، وإنما كانت مرآة لحياة المغاربة بكل ما فيها من فرح وحزن وحب وزواج وفراق وغيرة وحكمة وسخرية ومبالغة وضحك.

ومن هنا، ينبغي فهم ما نسميه في ثقافتنا المغربية بـ«التقشاب»، باعتباره أسلوبًا تواصليًا يقوم على الدعابة والتلميح واللعب باللغة والمبالغة وخلق الألفة بين الفنان والجمهور، وليس برنامجًا سياسيًا أو دعوة إلى تبني سلوك اجتماعي معين.

وفي هذا السياق تحديدًا، ينبغي قراءة عبارة «اللهم الزهو ولا زواج القهرة». فكلمة «الزهو» في الاستعمال الشعبي المغربي، وفي سياق الغناء والفرح، تحيل إلى البهجة والانبساط والمرح والاحتفال، ولا يجوز نقلها اعتباطًا إلى معنى الفسق أو الفساد لبناء إدانة أخلاقية عليها.

ثم إن العبارة نفسها لا تقول «اللهم الزهو ولا الزواج»، وإنما تقول «اللهم الزهو ولا زواج القهرة»، والفرق اللغوي والدلالي جوهري، لأن المنفي هنا هو زواج القهرة، أي الزواج الذي يصبح مصدرًا للقهر والتعاسة، وليس مؤسسة الزواج في حد ذاتها.

وحتى إذا أصررنا على القراءة الحرفية، فإن النص نفسه لا يتضمن دعوة إلى رفض الزواج. فضلًا عن أن الأغنية الشعبية لا تُفهم فقط من خلال المعنى المعجمي للكلمات، وإنما من خلال المقام وطريقة الأداء والسياق واستجابة الجمهور.

وعندما يردد الجمهور لازمة يعرفها ويتفاعل معها في أجواء من الفرح، فنحن أمام فعل فرجوي جماعي، لا أمام محاضرة في علم الاجتماع الأسري، ولا أمام بيان سياسي لإعادة تشكيل منظومة القيم.

ومن هنا، فإن تحميل كريمة غيث وحدها مسؤولية عبارة شعبية متداولة وأداها فنانون قبلها، يمثل إشكالًا في فهم طبيعة التراث الشفهي. فالفنان الذي يعيد أداء مادة متداولة لا يصبح مؤلفًا لكل جملة فيها، ولا صاحب مشروع أيديولوجي وراءها.

وكريمة غيث لم تقف أمام الجمهور لتعلن موقفًا سياسيًا من الزواج، وإنما كانت فنانة فوق خشبة تقدم لونًا غنائيًا شعبيًا وتتفاعل بعفوية مع جمهورها. كما أنها قدمت هذا اللون خلال جولاتها الفنية من أكادير إلى الرباط والعرائش، وصولًا إلى تطوان، دون أن تتحول الأغنية إلى قضية أخلاقية أو تهديد لمؤسسة الأسرة في أي من هذه المدن، وهو ما يجعل السؤال مشروعًا حول سبب تحولها في تطوان وحدها إلى قضية تستوجب اعتذارًا رسميًا وتحقيقًا إداريًا وتكتلًا مجتمعيًا.

أما الاستناد إلى الدستور، فينبغي أن يكون كاملًا لا انتقائيًا. فنعم، الأسرة تحظى بمكانة دستورية وبحماية الدولة، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكن الدستور المغربي نفسه يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير، ويضمن صراحة حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية.

وبالتالي، لا يوجد تعارض أصلي بين حماية الأسرة وحماية الإبداع، ولا ينبغي صناعة هذا التعارض لخدمة سجال سياسي. بل إن تصوير مؤسسة الزواج باعتبارها مهددة بجملة في أغنية شعبية يقلل من رسوخ هذه المؤسسة نفسها.

فالزواج مؤسسة دينية واجتماعية وقانونية متجذرة في المجتمع المغربي، وأكبر من أن تهددها لازمة ساخرة تؤدى على خشبة مهرجان.

أما الحديث عن المال العام، فهو نقاش مشروع، ومن حق المواطنين والمنتخبين مساءلة المؤسسات عن الميزانيات والعقود وطرق صرف الدعم ومدى احترام قواعد الحكامة والشفافية، لكن المساءلة عن المال العام شيء، وتحويلها إلى وصاية على التعبير الفني شيء آخر.

فالتمويل العمومي للثقافة لا يعني أن تصبح الجهة الممولة صاحبة سلطة على كل استعارة أو نكتة أو لازمة شعبية يقدمها الفنان، وإلا تحول دعم الثقافة من وسيلة لحماية الإبداع والتعدد إلى أداة للرقابة المسبقة.

أما السؤال عن من اختار الفنانة ومن سمح لها بأداء الأغنية، فيكشف بدوره تصورًا يحتاج إلى مراجعة، لأن إدارة المهرجان تختار الفنان استنادًا إلى مساره وهويته ومشروعه الفني، ولا يمكن أن تتحول إلى جهاز رقابة يطالب الفنان مسبقًا بقائمة كل جملة وكل كلمة وكل تفاعل عفوي سيصدر عنه أثناء عرض حي.

فالحفل الموسيقي ليس نشرة مسجلة، والتلقائية والتفاعل مع الجمهور جزء من طبيعة الفرجة الحية.

والأخطر ثقافيًا من الأغنية نفسها هو أن نفتح باب محاكمة التراث الشعبي بمعايير حرفية وانتقائية، لأننا إذا اعتمدنا هذا المنطق فعلينا أن نحاكم مئات الأغاني والأمثال والأزجال والحكايات المغربية التي سخرت عبر أجيال من الزواج والزوج والزوجة والحماة والحب والغيرة والفقر والسلطة والحياة والموت.

وحينها لن نكون بصدد حماية القيم، وإنما بصدد إفراغ التراث من طبيعته الإنسانية وتحويله إلى نصوص مصفاة لا تشبه المجتمع الذي أنتجها.

وهذا لا يعني أن التراث فوق النقد، فمن حق الجميع نقده ومناقشة الصور والقيم التي يحملها، لكن هناك فرقًا أكاديميًا وأخلاقيًا واضحًا بين نقد نص شعبي داخل سياقه، وبين اقتطاع ثوانٍ من أداء فنانة ثم بناء مشروع أخلاقي وسياسي كامل عليها.

ومن حق أي منتخب أن يمارس دوره الرقابي، وأن يسائل أوجه إنفاق المال العام، وأن يعبر عن عدم إعجابه بأغنية أو أداء فني، لكن من حق المجتمع أيضًا أن يسأل: لماذا تحولت فقرة فنية بسيطة إلى قضية سياسية بهذا الحجم؟ ولماذا جرى استدعاء مؤسسة الأسرة بكامل رمزيتها الدينية والاجتماعية في مواجهة فنانة تؤدي أغنية شعبية؟

فالأسرة قيمة جامعة للمغاربة، وليست ملكًا لتيار سياسي أو أيديولوجي بعينه، ولا ينبغي تحويلها إلى وسيلة لاستثارة المخاوف الاجتماعية، أو إلى أداة لقياس أخلاق الفنانين أو تصنيف المواطنين.

والدفاع عن كريمة غيث هنا ليس دفاعًا عن جملة بعينها، وإنما دفاع عن مبدأ أوسع، هو حق الفنان في أن يُقرأ عمله داخل سياقه، وحق التراث الشعبي في ألا يُختزل في قراءة حرفية، وحق الجمهور في التفاعل مع ثقافته والفرح بها دون أن تتحول كل دعابة فوق الخشبة إلى قضية أخلاقية.

فكريمة غيث لم تحرض على هدم الأسرة، ومهرجان «أصوات نسائية» لم ينظم ندوة ضد الزواج، والجمهور لم يجتمع لتلقي خطاب أيديولوجي، وإنما كانت هناك فنانة وجمهور وأغنية شعبية متداولة ولحظة من الفرح و«التقشاب» المغربي المعروف، ثم جرى اقتطاع جملة من سياقها وتحميلها ما لم تقله.

فلنناقش ميزانيات المهرجانات بكل صرامة، ولنحاسب على المال العام بكل شفافية، ولننتقد الفن كما نشاء، ولكن دون الخلط بين المحاسبة المالية والوصاية الثقافية، وبين النقد والتشهير، وبين حماية الأسرة وتوظيف الأسرة سياسيًا.

فالأسرة المغربية أكبر من أن تهددها أغنية، والفنانة أكبر من أن تُختزل في ثوانٍ مقتطعة من حفل، وتراثنا الشفهي أعمق من أن نفهمه بالمعنى الحرفي لجملة واحدة.

وحماية الثقافة لا تكون بتجريدها من الدعابة والعفوية والمجاز والاختلاف، وإنما بفهمها ودراستها وحفظ ذاكرتها ونقلها إلى الأجيال الجديدة بكل ما تحمله من حكمة وفرح وسخرية وذاكرة جماعية.

فتلك هي قوة التراث المغربي، الذي ظل حيًا لأنه عاش على ألسنة الناس وانتقل بينهم جيلًا بعد جيل، لا لأنه كان نصًا جامدًا يخضع في كل مرحلة لمحاكمة جديدة.

Comments (0)
Add Comment