سينما تهز الضمير العالمي: ليلى المراكشي تقود “ثورة الفراولة” في مهرجان كان 2026
شهدت قاعة العرض الخاصة بمسابقة “نظرة ما” (Un Certain Regard) في مهرجان كان السينمائي الدولي لعام 2026، ولادة تحفة سينمائية مغربية وعالمية جديدة، نجحت في تحويل صمت المزارع الإسبانية الخانقة إلى صرخة إنسانية مدوية هزت أركان الكروازيت.
بفيلمها الجديد “Les Fraises” (الفراولة)، تعود المخرجة الجريئة ليلى المراكشي إلى الواجهة، لا لتقدم مجرد شريط سينمائي عابر، بل لتصنع زلزالاً فنياً وتفجر مرافعة سينمائية صلبة، حظيت بترحيب نقدي وتصفيق حار امتد لعدة دقائق، واصفاً العمل بأنه أحد أهم الإنتاجات العربية والعالمية لهذا العام.
من الهامش إلى الضوء: تشريح واقع “مستور”
نجحت المراكشي في غزل دراما واقعية شديدة العذوبة والقسوة في آن واحد، مقتحمةً ملفًا مسكوتًا عنه بحرفية عالية. الفيلم يغوص في كواليس رحلة المعاناة السنوية لنحو 15 ألف امرأة وعاملة زراعية مغربية، ينحدر معظمهن من جبال ووديان الريف، يهاجرن نحو مزارع الجنوب الإسباني لجني “الذهب الأحمر”.
تحت درجات حرارة خانقة، وداخل البيوت البلاستيكية الصامتة، لا تنقل لنا الكاميرا فقط تفاصيل العمل المضني، بل تفكك ببراعة “نظام الاستغلال الهرمي” في ما يُعرف بمزرعة “Fresa del Carmen”. إنه نظام لا يكتفي باستنزاف عرق النساء، بل يحولهن إلى مجرد عمالة رخيصة ومستباحة، يتم التخلص منها فور انتهاء موسم الحصاد. لكن المراكشي رفعت سقف التحدي؛ فلم تقدم بطلاتها كضحايا مستسلمات، بل كقوة مجتمعية نابضة بالمقاومة.
“حسناء ومريم”: رحلة الأحلام المكسورة خلف جدران البلاستيك
ينطلق السيناريو المحبوك بدقة من قصة “حسناء”، الشخصية المحورية التي تجسد روح التحدي؛ فهي بطلة سابقة في رياضة التايكوندو، ضاقت بها سبل العيش فقررت تعديل ملفها وتزويره لتستوفي شروط السفر إلى إسبانيا. لم يكن دافع حسناء مجرد البقاء، بل كان طموحاً مشروعاً في الاستقلال المالي وشراء شقة خاصة تمنح حياتها استقراراً جديداً بعيداً عن التبعية.
وترافق حسناء في هذه المغامرة زميلتها “مريم”، لتشكلا معاً ثنائياً يمثل أحلام جيل كامل من النساء الطامحات للإنصاف. لكن فور وطء أقدامهما تراب مزارع “Fresa del Carmen”، تصطدم هذه الآمال الوردية بوعورة واقع رأسمالي فج، حيث تكتشفان عالماً هرمياً صارماً يكسر أحلام التحرر، ويفرض طاعة عمياء تسلب الإنسان كرامته قبل جهده.
“عناقيد الغضب” بنكهة مغربية: تفكيك الرأسمالية المتوحشة
يأخذنا الفيلم في نصفه الثاني إلى أبعاد ملحمية، ويعيد إلى الأذهان وبقوة رائعة الكاتب الأمريكي جون شتاينبك الروائية الخالدة “عناقيد الغضب” (1939). فكما فعل شتاينبك في تشريحه لأزمة الكساد الكبير، تبرز ليلى المراكشي كيف يستغل كبار الملاك وفرة اليد العاملة النسائية القادمة من المغرب لفرض سياسات مجحفة في خفض الأجور، مستغلين حاجتهن الماسة للمال.
يضع الفيلم النساء في كماشة العوز الطاحنة، مجبرات على القبول بأي شروط قاسية لضمان البقاء وإرسال قروش قليلة لعائلاتهن. لكن هذا الضغط يولد الانفجار؛ فحين تقع حادثة اغتصاب مروعة وصادمة داخل المزرعة، تنقلب كل الموازين. تتحول هذه الفاجعة إلى شرارة التمرد والرفض التي كانت خامدة، وتجد “حسناء” نفسها مجبرة على استدعاء روح المقاتلة بداخلها، لتتحول من مربع الدفاع الفردي لرياضة التايكوندو إلى قيادة مواجهة جماعية شرسة لانتزاع العدالة.
“إن فيلم ‘Les Fraises’ ليس مجرد مرثية للظلم، بل هو نشيد كفاح سينمائي يعيد الاعتبار والكرامة للمرأة كقوة تغيير حقيقية في وجه غطرسة رأس المال.”
ليلى المراكشي.. نضج إخراجي وجماليات بصرية ساحرة
أثبتت ليلى المراكشي في هذا العمل أنها تعيش أزهى فترات نضجها الفني، حيث زاوجت بين “السينما الواقعية” و”الشاعرية البصرية”:
إدارة الكادرات: نجحت الكاميرا في خلق مفارقة بصرية مذهلة؛ فاللون الأحمر الفاقع لثمار الفراولة، الذي يرمز للبهجة، تحول عبر الإضاءة الذكية والزوايا الضيقة داخل الصوبات إلى رمز لـ “الدماء والعرق” والجهد المسلوب.
الموسيقى التصويرية: جاءت الموسيقى مشبوعة بنفحات التراث الريفي المغربي، ممتزجة بإيقاعات إسبانية حزينة (الفلامنكو)، لتعبر عن صراع الهوية والغربة، وتضفي عمقاً ملحمياً على الأحداث.
السيناريو: تميز الحوار بالبساطة والعمق، متجنباً الخطابية المباشرة، تاركاً للصورة وللصمت أحياناً مساحة أكبر لتعرية هذا الاستغلال الحديث.
زلزال في “كان” وترقب للجوائز
لم يكن غريباً أن يصف تقرير راديو فرانس الثقافي الفيلم بأنه “نجح في إثارة زلزال من التعاطف والنقاش الإنساني”. فقد استطاع العمل أن يتجاوز البُعد المحلي المغربي ليخاطب الضمير العالمي، واضعاً منظومة القوانين الأوروبية لحقوق العمال والهجرة تحت مجهر المساءلة الأخلاقية.
إن فيلم “Les Fraises” يمثل قفزة نوعية للسينما المغربية والعربية في المحافل الدولية؛ فهو فيلم لا يطلب الشفقة، بل يفرض الاحترام. عمل سينمائي متكامل الأركان، جمع بين جرأة الطرح، وعذوبة الصورة، وقوة الرسالة، وبناءً على هذا الاستقبال الأسطوري في “كان”، فإن الفيلم حجز لنفسه مكاناً ثابتاً في ذاكرة السينما الإنسانية الخالدة، وبات مرشحاً فوق العادة لاقتناص أرفع جوائز مسابقة “نظرة ما”.