“كان السينمائي 79” يسدل ستاره بنجاح باهر: ليلة انتصرت فيها السينما، وتوّجت الإبداع، وجمعت العالم في عاصمة الفن

في ليلة ساحرة ستبقى محفورة في وجدان تاريخ الفن السابع، أسدل مهرجان كان السينمائي الدولي الستار على فعاليات دورته التاسعة والسبعين، ليعلن ختام واحدة من أبهى وأنجح دوراته. وتحت أضواء قصر المهرجانات وبحضور حشد تاريخي من صناع السينما، والنجوم، والوفود الدولية، قدم المهرجان للعالم نموذجاً مبهراً في حسن التنظيم، وعمق الطرح الفني، والقدرة على صهر الثقافات في فضاء إنساني واحد، برئاسة واعية ومميزة للجنة التحكيم بقيادة المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك.

لقد تميزت هذه الدورة بزخم فني فريد، حيث تنوعت العروض بين الدراما الإنسانية العميقة، والأفلام التاريخية، والملحمية والسياسية الشائكة، لتؤكد أن “كان” ليس مجرد تظاهرة احتفالية، بل هو المختبر الحقيقي والموجه الأول لصناعة الفن السابع في العالم.

السعفة الذهبية لكريستيان مونجيو: إنصاف تاريخي للسينما الحقيقية

جاءت اللحظة الكبرى في الحفل لتتوج السينما الخالصة، حيث نال المخرج الروماني العبقري كريستيان مونجيو جائزة السعفة الذهبية (Palme d’Or) عن فيلمه الدرامي الآسر «خليج» (Ford). ولم يكن هذا التتويج مجرد جائزة، بل كان احتفاءً بعبقرية مخرج نجح للمرة الثانية في مسيرته (بعد عام 2007 عن فيلمه «4 أشهر و3 أسابيع ويومان») في اقتناص الجائزة الأرفع عالمياً، ليدخل رسمياً النادي النخبوي للمخرجين ثنائيي السعفات.

يقدم الفيلم معالجة درامية في غاية النضج والعمق حول صراع إنساني وقيمي معقد، حيث تتناول قصته عائلة متدينة تنتقل من رومانيا للعيش في إحدى القرى النرويجية النائية، لتصطدم باختلافات ثقافية واجتماعية حادة تضع معتقداتها الراسخة أمام اختبارات وجودية صعبة. وقد ساهم الأداء الاستثنائي للنجم العالمي سيباستيان ستان والنجمة ريناته رينسفه في نقل هذا التوتر الفكري بصورة بصرية مذهلة صفق لها النقاد طويلاً.

أندريه زفياجينتسيف يحصد “الجائزة الكبرى” بـ «مينوتور»

واصلت السينما ذات البعد النفسي والتفكيكي حضورها القوي في المهرجان، حيث ذهبت ثاني أكبر جوائز المهرجان وهي الجائزة الكبرى (Grand Prix) إلى المخرج الروسي المخضرم أندريه زفياجينتسيف عن فيلمه «Minotaur».

الفيلم، الذي يمثل عودة ملكية للمخرج بعد غياب، يناقش بأسلوب سينمائي داكن ومحكم قضية الخيانة الزوجية وتداعياتها النفسية والاجتماعية المدمرة على الأسرة والمجتمع، مؤكداً من جديد مكانة زفياجينتسيف كأحد أهم محللي النفس البشرية في السينما المعاصرة.

عبقرية الإخراج: مناصفة تعكس حدة التنافس والتميز

امتازت هذه الدورة بتقارب مستويات الأعمال المشاركة، وهو ما جعل لجنة التحكيم تتجه نحو المناصفة في جائزة أفضل مخرج، في خطوة ذكية للاحتفاء بمدارس إخراجية متباينة ومتفردة:

  • باول باوليكوفسكي: المخرج البولندي المخضرم الذي نال الجائزة عن فيلمه الإنساني المؤثر «وطن» (Fatherland)، وهو عمل مقتبس برؤية سينمائية رفيعة عن إحدى روايات الأديب الألماني الشهير توماس مان.

  • ثنائي “لوس خافيس”: المخرجان الإسبانيان خافيير أمبروزي وخافيير كالفو، اللذان اقتنصا الجائزة عن فيلمهما الملحمي الباهر «The Black Ball» (الكرة السوداء)، والذي نبش في أوجاع وأجواء الحرب الأهلية الإسبانية بقالب درامي وتاريخي ضخم.

جوائز التمثيل: احتفاء بالتناغم والثنائيات المبدعة

تجلت العدالة الفنية للجنة التحكيم في فئات التمثيل، حيث انحازت للعمل الجماعي والكيمياء المشتركة بين الممثلين، وجاءت النتائج كالتالي:

أفضل ممثلة (مناصفة):

مُنحت الجائزة للنجمة الفرنسية المتألقة فيرجيني إيفيرا والنجمة اليابانية تاو أوكاموتو عن بطولتهما المشتركة في فيلم «على حين غُرّة» (All of a Sudden) للمخرج الياباني ريوسوكي هاماجوتشي. وقد أشادت اللجنة بالتناغم الروحي والبصري البديع الذي قدمته الفنانتان، مما أضفى عمقاً إضافياً على العمل.

أفضل ممثل (مناصفة):

كانت من نصيب بطلي الفيلم البلجيكي المؤثر «Coward» (جبان)، حيث تقاسمها الممثل الصاعد إيمانويل ماكيا والنجم فالنتين كامباني. وقدم الثنائي مباراة تمثيلية حية ومؤثرة لقصة حب تنشأ وسط رماد وويلات الحرب العالمية الأولى، مصورين التناقض بين عاطفة الإنسان وقسوة الحرب.

جائزة لجنة التحكيم: الغموض والعمق الإنساني

من جهة أخرى، منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة (Prix du Jury) لفيلم «The Dreamed Adventure» للمخرجة الألمانية فاليسكا جريزباخ.

وتدور أحداث هذا العمل الدرامي المميز حول رحلة حفريات أثرية في بلغاريا، حيث نجحت المخرجة في تقديم معالجة سينمائية فريدة تمزج بين الغموض التشويقي والبعد الإنساني الفلسفي، ونالت تفاعلاً نقدياً لافتاً أثناء عرضه.

باربرا سترايساند.. لمسة الوفاء التي أبكت الحاضرين

لم يغفل مهرجان كان في ليلته الختامية عن تقديم درس في الوفاء والتقدير؛ حيث شهد الحفل لحظة عاطفية بامتياز مع منح الأيقونة الأمريكية الكبيرة باربرا سترايساند السعفة الذهبية الفخرية تقديراً لمسيرتها الفنية والسينمائية التاريخية الطويلة.

ورغم أن إصابة في الركبة حرمت سترايساند من الحضور والصعود على السجادة الحمراء، إلا أن تكريمها كان طاغياً؛ إذ تسلمت الجائزة نيابة عنها أيقونة السينما الفرنسية إيزابيل أوبير. وفي رسالة مصورة وجهتها سترايساند للحضور، عبّرت بكلمات مؤثرة قائلة:

“تظل السينما واحدة من أهم الوسائل القادرة على توحيد الشعوب والثقافات في هذا العالم”.

“كان 79”: مرآة العالم اللوجستية والفكرية

برهن مهرجان كان هذا العام على أنه ليس مجرد تظاهرة فنية عابرة، بل هو العاصمة الروحية للفن السابع. فمن التنظيم اللوجستي المعجز والإدارة الذكية للوفود والندوات، إلى الاختيارات الجريئة للأفلام التي واجهت أزمات الهوية، والاستقطاب، والتاريخ، أثبت المهرجان قدرته العالية على قيادة المشهد الثقافي العالمي.

لقد غادر الضيوف وصناع السينما مدينة “كان” وهم يحملون انطباعاً واحداً: أن الدورة الـ79 كانت احتفالية انتصرت فيها السينما للحياة، وللثقافة، وللأمل، لتؤكد هذه التظاهرة مجدداً أنها ستظل دائماً وأبحراً المنصة الأكثر تأثيراً وإلهاماً في تاريخ الفن الإنساني

Leave A Reply

Your email address will not be published.