مهرجان البندقية السينمائي 2025 يختتم دورته الـ82: تتويج الإبداع وصوت غزة يعلو في حفل الجوائز

اختتمت فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي 2025، أحد أعرق وأبرز المهرجانات السينمائية في العالم، بحفل ختام اتسم بمزيج من البهجة والرمزية السياسية والإنسانية. فقد جاء توزيع الجوائز الرسمية ليؤكد أن المهرجان لم يعد مجرد منصة للاحتفاء بالإبداع الفني فحسب، بل أصبح مساحة للتعبير عن هموم العالم ورسائله العميقة، حيث ترددت أصداء القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، في كلمات الفائزين وأعمالهم.

الأسد الذهبي: انتصار للسينما الإنسانية

فاز المخرج الأمريكي المخضرم جيم جارموش بجائزة الأسد الذهبي لأفضل فيلم عن عمله المؤثر “Father Mother Sister Brother”، الذي نجح من خلاله في تقديم ثلاث لوحات إنسانية ترصد تفاصيل العلاقات المعقدة بين أفراد عائلات مختلفة، بأسلوب بصري شاعر ورؤية فلسفية عميقة.

وخلال كلمته المؤثرة بعد استلام الجائزة، أكد جارموش أن السينما ليست مطالبة بأن تكون سياسية بشكل مباشر حتى تترك أثراً، قائلاً:

“الفن لا يحتاج أن يرفع شعارات سياسية، يكفيه أن يزرع التعاطف بين البشر، فهذا هو الأساس لحل الأزمات التي يعيشها عالمنا.”

كلمات جارموش جاءت بمثابة دعوة إلى العودة إلى جوهر السينما كجسر للتواصل الإنساني في زمن التصدعات والانقسامات.

الأسد الفضي وجائزة لجنة التحكيم الكبرى

أما الأسد الفضي لأفضل مخرج فقد ذهب إلى الأمريكي بيني سافدي عن فيلمه “The Smashing Machine”، الذي استعرض حياة مقاتل في عالم رياضات القتال المختلطة، مقدماً رؤية فنية عميقة عن الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات التي تعيش على حافة الخطر.

لكن اللحظة الأكثر تأثيراً في الحفل كانت لحظة إعلان فوز فيلم “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Ragab) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة لجنة التحكيم الكبرى. الفيلم وثّق القصة الحقيقية للطفلة الفلسطينية هند رجب، البالغة من العمر خمس سنوات، والتي استشهدت في يناير 2024 برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، مستخدماً التسجيل الصوتي الحقيقي لمكالمة الطفلة مع طاقم الهلال الأحمر الفلسطيني.

وقفت بن هنية أمام جمهور المهرجان متأثرة وهي تقول:

“أهدي هذه الجائزة إلى روح هند وإلى جميع الأطفال في غزة. صوتها سيبقى شاهداً على المأساة، وعلى العالم أن يسمعه ولا يتجاهله.”

كما أهدت جائزتها إلى الهلال الأحمر الفلسطيني، مؤكدة أن السينما يجب أن تكون وسيلة لإيصال أصوات من لا صوت لهم.

لجنة تحكيم مميزة بوجوه عالمية

ترأس لجنة التحكيم الرسمية لهذه الدورة المخرج الأمريكي ألكسندر باين، الذي قاد فريقاً متنوعاً من الأسماء السينمائية البارزة، من بينهم:

  • الممثلة البرازيلية فرناندا توريس
  • المخرج الإيراني محمد رسولوف
  • المخرج الروماني كريستيان مونجيو
  • المخرج الفرنسي ستيفان بريزي
  • المخرجة الإيطالية ماورا ديلبيرو
  • الممثلة الصينية تشاو تاو

وقد تميزت اللجنة بتنوع خلفياتها الثقافية، مما أضفى عمقاً وتوازناً على القرارات التي اتخذتها.

القضية الفلسطينية في قلب الحفل

لم تكن لحظة فوز فيلم “صوت هند رجب” حدثاً معزولاً، بل امتدت أصداء القضية الفلسطينية إلى كلمات العديد من الفائزين، الذين استغلوا منصة المهرجان للتعبير عن تضامنهم مع غزة.

ففي لحظة غير مسبوقة، وقف بعض الحاضرين تصفيقاً حين تحدثت بن هنية عن معاناة الشعب الفلسطيني، فيما تطرقت كلمات عدد من الفنانين والمخرجين إلى ضرورة دعم قضايا العدالة الإنسانية، مما أعطى لحفل الختام بعداً يتجاوز الفن ليصل إلى الالتزام الأخلاقي والسياسي.

جوائز قسم “آفاق” (Orizzonti)

قسم “آفاق” الذي يُعنى بتقديم الأصوات السينمائية الجديدة والتجارب الفنية الجريئة، شهد تتويج مجموعة من الأعمال المميزة:

  • أفضل فيلم: On the Road للمخرج ديفيد بابلو
  • أفضل مخرج: أنوبارنا روي عن Songs of Forgotten Trees
  • أفضل ممثلة: الإيطالية بينديتا بوركارولي عن The Kidnapping of Arabella
  • أفضل ممثل: جياكومو كوفي عن Un Anno di Scuola
  • أفضل سيناريو: آنا كريستينا باراغان عن The Ivy
  • أفضل فيلم قصير: Without Kelly للمخرجة لوفيزا سيرين

جوائز بارزة أخرى

لم يخلُ حفل الختام من لحظات مؤثرة للسينما العالمية والعربية:

  • جائزة الجمهور (Armani Beauty): Calle Malaga للمخرجة المغربية مريم التوزاني، وهو إنجاز يسلط الضوء على الحضور القوي للسينما المغربية في الساحة العالمية.
  • جائزة أفضل فيلم أول (لويجي دي لورنتيس): Short Summer للمخرجة ناستيا كوركيا.
  • كأس فولبي لأفضل ممثلة: شين تشيلاي عن The Sun Rises on Us All.
  • كأس فولبي لأفضل ممثل: الإيطالي توني سرفيلو عن La Grazia.
  • جائزة لجنة التحكيم الخاصة: Below the Clouds للمخرج جيانفرانكو روسي.
  • أفضل وثائقي (كلاسيكيات البندقية): Mata Hari.

حضور عربي مشرّف

إلى جانب تتويج كوثر بن هنية، حققت المخرجة المغربية مريم التوزاني إنجازاً مهماً بفوز فيلمها Calle Malaga بجائزة الجمهور، ليؤكد هذا الحضور القوي على مكانة السينما العربية في المحافل الدولية، وقدرتها على منافسة أبرز الإنتاجات العالمية.

دورة استثنائية للسينما العالمية

نجح مهرجان البندقية السينمائي 2025 في أن يكون منصة تعكس الواقع العالمي بكل تعقيداته، حيث امتزج الفن بالسياسة، والجماليات السينمائية بالقضايا الإنسانية.

فمن تصفيق استمر 23 دقيقة لفيلم يوثق مأساة غزة، إلى لحظات احتفاء بالسينما الخالصة، أثبتت الدورة الـ82 أن البندقية لا تزال قلب العالم النابض بالفن، وجسراً يصل بين الشعوب من خلال لغة السينما.

هذه الدورة لم تكن مجرد مهرجان، بل كانت صرخة جماعية ضد الصمت، وتأكيداً على أن الفن السابع ما زال قادراً على التغيير، وأن السجادة الحمراء يمكن أن تكون مساحة للكرامة الإنسانية، لا مجرد استعراض للأزياء والنجوم

Comments (0)
Add Comment