مهرجان فينيسيا السينمائي 2025: السياسة تهيمن على أعرق محافل الفن السابع

شهدت الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي مزيجاً غير مسبوق بين بريق السجادة الحمراء ونبض السياسة العالمية. فبينما اعتاد الجمهور على مشاهد النجوم يتنقلون في قوارب البندقية الفاخرة ويلوحون للجماهير، جاءت هذه الدورة لتكسر الصورة التقليدية، مقدمةً أفلاماً غنية بالرسائل الإنسانية والسياسية، في وقت يمر فيه العالم باضطرابات كبرى.

افتتاح بتصريحات فنية.. وعروض سياسية

في المؤتمر الافتتاحي، حاول رئيس لجنة التحكيم، المخرج الأمريكي ألكسندر باين، التأكيد على أن المهرجان يركز على السينما بعيداً عن السياسة، إلا أن قائمة الأفلام المشاركة عكست واقعاً مختلفاً. فقد احتلت القضايا الإنسانية والسياسية مكانة محورية، مؤكدةً أن السينما باتت وسيلة لمساءلة العالم ومواجهة صمته.

صرخة من غزة: “صوت هند رجب”

أبرز لحظات المهرجان تمثلت في العرض الأول لفيلم “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Ragab) للمخرجة التونسية كوثر بن هنية.

الفيلم يروي القصة الحقيقية للطفلة الفلسطينية هند رجب، التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها، ولقيت مصرعها برصاص الاحتلال الإسرائيلي في يناير 2024.

اعتمدت بن هنية على التسجيل الصوتي الأصلي لمكالمة الطفلة مع طاقم الهلال الأحمر الفلسطيني قبل وفاتها، ليهز الفيلم مشاعر الحضور ويفجر قاعة العرض بتصفيق استمر 23 دقيقة متواصلة، وهو رقم قياسي في تاريخ المهرجان، وسط هتافات “Free Palestine”.

وقالت بن هنية:

“لم أكن ناشطة سياسية، لكن شعرت أن الصمت تواطؤ. السينما هي القوة الوحيدة التي أمتلكها، ومن خلالها أردت أن أقول كفى.”

كاثرين بيغلو تحذر من شبح النووي

بعد غياب دام ثماني سنوات، عادت المخرجة الأمريكية كاثرين بيغلو إلى أروقة فينيسيا بفيلم “بيت من الديناميت” (House of Dynamite).

يضع العمل المشاهد في قلب 18 دقيقة مصيرية بين إطلاق صاروخ نووي على الولايات المتحدة ولحظة سقوطه، مقدماً وجهات نظر متعددة: جندي يعيش الرعب، قائد عسكري يواجه قراراً مستحيلاً، ورئيس الدولة الذي جسده النجم إدريس إلبا.

وقالت بيغلو عن رسالتها:

“الفيلم دعوة للتفكير في مصير البشرية. كيف يمكن لفناء العالم أن يُعتبر وسيلة دفاعية؟”

إسقاطات سياسية على أزمات العالم

لم تقتصر الأفلام على الصراع في غزة أو التهديد النووي، بل امتدت لتشمل أزمات أخرى:

  • فيلم Bugonia للمخرج اليوناني يورجوس لانثيموس، بطولة إيما ستون، تناول نظرية مؤامرة حول كائن فضائي يسعى لتدمير الأرض، في إسقاط واضح على أزمة المناخ.
  • فيلم No Other Choice للكوري بارك تشان-ووك، كوميديا سوداء عن موظف يفقد وظيفته ويلجأ للتخلص من منافسيه، في نقد صارخ لهشاشة الأمان الوظيفي في النظام الرأسمالي.
  • النجم جود لو خطف الأنظار بدور فلاديمير بوتين في فيلم “ساحر الكرملين” للمخرج أوليفييه أساياس، الذي استعرض مسار صعود بوتين إلى السلطة.

تأثير يتجاوز فينيسيا

لم تتوقف أصداء المهرجان عند شواطئ البندقية، إذ أعلن مهرجان سان سباستيان في إسبانيا برنامجه مصحوباً ببيان قوي يطالب بوقف “الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني”.

كما عبّر الممثل البريطاني هيو بونفيل من لندن عن تضامنه قائلاً:

“ما يحدث في غزة لا يمكن الدفاع عنه. يجب على المجتمع الدولي أن يفعل المزيد لوقفه.”

ختام دورة استثنائية

رغم حضور النجوم وأجواء الاحتفال، أثبتت الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا أن السينما لا تنفصل عن العالم، بل تعكس آلامه وأحلامه. فهذه السنة، كانت الأفلام بمثابة صرخات فنية في وجه الصمت، لتؤكد أن الفن السابع قادر على أن يكون صوت الشعوب في أوقات الظلام

Comments (0)
Add Comment