اختتمت الدورة الحادية والعشرون من مهرجان موازين، إيقاعات العالم، مساء السبت 27 يونيو بالرباط وسلا، بليلة أخيرة عكست روح هذه الدورة بكل أبعادها، من حيث جماهيريتها، وطموحها، وانفتاحها، وقدرتها على جمع مختلف الأذواق حول لحظات موسيقية قوية.
فمن ملعب الأمير مولاي عبد الله إلى منصة السويسي، ومن النهضة إلى أبي رقراق، ومن المسرح الوطني محمد الخامس إلى شالة وسلا، أسدل المهرجان الستار على دورة غنية، حملت توقيع فنانين مغاربة وعرب وأفارقة ودوليين.
وقد أكدت ليلة الاختتام، على وجه الخصوص، البعد الجديد الذي اكتسبه موازين من خلال إدماج ملعب الأمير مولاي عبد الله ضمن مساره الفني. فبعد أن خطف الأنظار في الليلة السابقة، احتضن هذا الفضاء الرمزي إحدى أكثر لحظات المهرجان انتظارا، من خلال لقاء جمع بين إل غراندي طوطو ومراد، وهما من أبرز وجوه الموسيقى الحضرية الراهنة، في ختام اتسم بطاقة عالية وحضور جماهيري كبير.
وبعد عام واحد من حضوره القوي في اختتام الدورة العشرين على منصة السويسي، عاد إل غراندي طوطو إلى موازين في صيغة أوسع وأكثر امتدادا. فعلى خشبة ملعب الأمير مولاي عبد الله، منح الفنان المغربي الليلة الختامية بُعدًا يعكس روح الجيل الجديد، حملته طاقة مباشرة، وسينوغرافيا متماسكة، وجمهور ردد أغانيه بحماس كبير. وقد أكد هذا العبور إلى فضاء بهذا الحجم المكانة الخاصة التي يحظى بها طوطو داخل المشهد المغربي المعاصر، باعتباره فنانا قادرا على جمع جمهور واسع، وفي الوقت نفسه التعبير عن صوت حضري راهن ومتصل بعمق بجمهوره.
وإلى جانبه، أضفى مراد على الأمسية نبرة مختلفة، جمعت بين قوة الحضور فوق الخشبة، وكتابة مستمدة من الشارع، وموسيقى ذات نفس متوسطي واضح. وقد منحت هذه الثنائية للملعب طابعا شابا، حضريا ودوليا، وجعلت اختتام موازين منسجما مع روح المنصات الموسيقية الكبرى المعاصرة.
وعلى منصة السويسي، حملت بيبي ريكسا آخر أمسية دولية في هذه الدورة من خلال عالم بوب قوي وواضح الهوية. فقد قدمت الفنانة الأمريكية، وهي مغنية وكاتبة وملحنة، حفلا بُني حول أعمال معروفة لدى الجمهور الواسع، وحضور ركحي واثق، وطاقة قائمة على التفاعل والمشاركة. وجاء أداؤها ليؤكد مرة أخرى الدور الذي تضطلع به منصة السويسي، باعتبارها فضاء يستقبل أبرز الأسماء في البوب العالمي، ويمنح الجمهور لحظات احتفال كبرى.
أما على منصة النهضة، فقد اختتم تامر حسني البرمجة العربية في أجواء دافئة وحماسية. الفنان المصري، الذي كان محط انتظار كبير من جمهوره المغربي، جدد اللقاء مع جمهور عبّر تجاهه، خلال لقائه بالصحافة، عن ارتباط صادق. وقد أشاد بالروابط القوية التي تجمعه بالمغرب، مذكرا بأن الجمهور المغربي يحتل مكانة خاصة في مساره الفني. وعلى الخشبة، تحول هذا القرب إلى سهرة سخية، جمعت بين أشهر أعماله، واللحظات المؤثرة، والتفاعل المباشر مع رواد المهرجان.
وفي أبي رقراق، قدم دايموند بلاتنومز ختاما أفريقيا نابضا بالحيوية، حملته طاقة البونغو فلافا والأفروبوب القادم من شرق أفريقيا. الفنان التنزاني، صاحب الإشعاع القاري، منح المنصة أجواء احتفالية وراقصة ومعاصرة. وقد أكد أداؤه مكانة أبي رقراق كواحد من أبرز فضاءات موازين المخصصة للموسيقى الأفريقية الراهنة وأكثرها تميزا.
وفي المسرح الوطني محمد الخامس، أضفت ديون وورويك لمسة من الأناقة والذاكرة على هذه الليلة الأخيرة. فقد قدمت أسطورة السول والبوب والآر أند بي الأمريكية للجمهور لحظة نادرة، حملها رصيد موسيقي يعبر الأجيال. كما ذكّر حضورها بأهمية الصيغ الأكثر حميمية في توازن المهرجان، على غرار المسرح الملكي الكبير، الذي شكل إدماجه ضمن مسار موازين إحدى العلامات البارزة لهذه الدورة.
وفي شالة، افتتح علي دوغان غونولطاش اليوم في أجواء من التأمل والسفر. ومن خلال الفولك الأناضولي، جاء أداؤه منسجما مع روح هذا الموقع التاريخي، الذي يمنح للموسيقى فضاء خاصا للإصغاء، واستحضار الذاكرة، وتعزيز الحوار بين الثقافات.
وفي سلا، اختتم سعيد ولد الحوات ووليد الرحماني المنصة المغربية في أجواء شعبية وعائلية. وقد جسدت عروضهما، مرة أخرى، قوة هذه المنصة باعتبارها فضاء للقرب، والحماس الجماهيري، والاحتفاء بالريبيرتوارات المغربية في كامل حيويتها.
ومع هذه الليلة الختامية، أكد موازين 2026 قدرته على الجمع بين اتساع الصيغ الكبرى، ورصانة الفضاءات ذات الحمولة التراثية، وقوة الموسيقى الشعبية. فمن خلال استثمار ملعب الأمير مولاي عبد الله وإدماج المسرح الملكي الكبير ضمن مساره، فتح المهرجان صفحة جديدة في تاريخه. وحتى آخر ليلة، عاشت الرباط وسلا على إيقاع دورة جعلت من الموسيقى فضاء حيا للقاء، والتقاسم، والحوار بين الثقافات.