في قلب الريفييرا الفرنسية، حيث تتجه أنظار صناع السينما من شتى بقاع الأرض إلى “مهرجان كان السينمائي الدولي” في دورته التاسعة والسبعين، نجح الجناح التركي في تحويل نفسه إلى مركز ثقل استثنائي، مستقطباً اهتماماً واسعاً من المنتجين، المخرجين، والوكالات الدولية المشاركة في هذا الحدث الفني الأبرز عالمياً.
الجناح الذي أشرفت على إقامته وتنظيمه المديرية العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية، لم يكن مجرد مساحة للعرض، بل تحول إلى منصة حيوية وخلية نحل شهدت لقاءات مكثفة جمعت كبرى شركات الإنتاج التركية، ووكالات البيع والتوزيع، بممثلي القطاع السينمائي الدولي، وذلك لبحث فرص التعاون المشترك ورسم ملامح مشاريع سينمائية مستقبلية عابرة للحدود.
تركيا كـ “استوديو مفتوح”: حوافز وإمكانيات تبهر صناع السينما
لم يقتصر الحضور التركي على الجانب الجمالي، بل ركّز بشكل استراتيجي على تقديم تركيا كوجهة أولى للإنتاج السينمائي العالمي. وقدم القائمون على الجناح معلومات شاملة وتفصيلية لممثلي القطاع الدولي حول:
• البنية التحتية المتطورة: التي تمتلكها تركيا في مجالات التصوير والعمليات الفنية وصناعة السينما.
• آليات دعم التصوير الأجنبي: وشرح “دليل حوافز إنتاج الأفلام” الذي يوفر تسهيلات مالية ولوجستية مغرية للمنتجين الدوليين.
• القدرات التقنية والبشرية: من كوادر فنية مدربة ومعدات تصوير متطورة تضاهي المعايير العالمية بكلفة تنافسية.
دعم متكامل: تضمنت المواد التعريفية التي وزعتها الوزارة دليلاً شاملاً للمستثمرين في قطاع الفن، يوضح كيفية الاستفادة من المهرجانات التركية المحلية، ويوفر قاعدة بيانات شاملة عن شركات الإنتاج والوكالات الوطنية الجاهزة للشراكة الفورية.
من التاريخ إلى الطبيعة: سحر الجغرافيا التركية في خدمة الشاشة
إحدى أبرز نقاط القوة التي ميزت الجناح التركي هذا العام كانت العرض البصري المبهر لمواقع التصوير المتنوعة التي تزخر بها البلاد. وعبر محتوى ترويجي وصناعة بصرية فائقة الجودة، طاف زوار الجناح بين التناقضات الساحرة لتركيا؛ من الشواطئ والمناطق الطبيعية الخلابة التي تأسر الأنفاس، وصولاً إلى المدن الأثرية والتاريخية التي تختزل حضارات ضاربة في عمق التاريخ.
هذا التنوع الجغرافي يمنح المخرجين والمنتجين “استوديو طبيعي مفتوح” يتيح تصوير أفلام تاريخية، معاصرة، أو حتى أفلام خيال علمي في بقعة جغرافية واحدة تلتقي فيها قارتي آسيا وأوروبا.
“كان 2026”: ملتقى النخبة السينمائية
تأتي هذه المشاركة التركية القوية في وقت يشهد فيه مهرجان كان السينمائي (الممتد في الفترة من 12 إلى 23 مايو/ أيار الجاري) زحماً كبيراً، بمشاركة نخبة من ألمع المخرجين، المنتجين، والممثلين من مختلف أنحاء العالم.
ويرى مراقبون أن النشاط المكثف لوزارة الثقافة والسياحة التركية في المهرجان يعكس رؤية أنقرة الطموحة في تعزيز “القوة الناعمة” لتركيا، وتحويل صناعة السينما والدراما من مجرد منتج ثقافي إلى قطاع اقتصادي استراتيجي يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية وتنشيط السياحة الثقافية.
ومع استمرار فعاليات المهرجان، يبدو أن الجناح التركي قد وضع بالفعل حجر الأساس لشراكات عالمية جديدة، ستترجم قريباً إلى أعمال سينمائية ضخمة تحمل الهوية التركية إلى شاشات العالم.