أسدل الستار يومه الأحد 9 نونبر، بمدينة طانطان، على احتفالات الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، التي شهدتها المدينة تحت شعار تحت شعار: “طانطان.. خمسون سنة على المسيرة الخضراء: موروث، اندماج وطموح”. المنظمة منذ ثالث نونبر الجاري، من طرف عمالة إقليم طانطان، ووكالة تنمية الأقاليم الجنوبية بشراكة مع مجلس جهة كلميم واد نون،وجماعة طانطان، والمجلس الإقليمي لطانطان، وجماعة الوطية، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.
استقطبت هذه الاحتفالية عشرات الآلاف من الجماهير من ساكنة طانطان والمدن المجاورة، الذين جاؤوا لاقتسام الأجواء الاحتفالية بهذه المناسبة الوطنية، التي تزامنت هذه السنة مع اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797 المتعلق بقضية الصحراء المغربية، وإقرار عيد الوحدة من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وذلك في إطار تثمين الذاكرة الوطنية لمدينة طانطان، والاعتراف بدور ساكنتها في دعم المسيرة الخضراء، واستحضار الرموز والصور التي رسختها في الوجدان الجماعي، إلى جانب إبراز الدينامية التنموية التي تعرفها المدينة في مختلف المجالات.
سهرات فنية بحضور نخبة من النجوم المغاربة
صعد لمنصة مدينة طانطان، نخبة من ألمع نجوم الموسيقى والغناء المغاربة، الذي اقتسموا أجواء احتفالية مع ساكنة مدينة طانطان، وهكذا قدم الفنانين أسماء لمنور ولاغتيست، أولى سهرات هذه الاحتفال الوطني، فيما أحيى ثاني سهراته الفنانين حجيب والدوزي، وقدم السهرة الثالثة الفنان غاني ومجموعة فناير، كما شارك في مختلف السهرات فنانين محليين لإبراز الثقافة الحسانية الغنية.
وشكل العلم الوطني محور كل السهرات، حيث تغنى الجميع بالمغرب وصحراءه، وردد الجميع أروع الأغاني الوطنية احتفالا بهذا الموعد السنوي الذي يؤكد مغربية الصحراء.
برنامج فني حافل
شكلت البرمجة الثقافية إحدى أبرز محاور احتفال مدينة طانطان بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، من خلال مجموعة من خلال ثلاثة عروض سينمائية، وهي “أتومان” للمخرج أنوار معتصم، و”ضاضوس” للمخرج عبد الوحد مجاهد، و”البطل” لمخرجه عمر لطفي، وذلك بحضور مخرجيها، وعدد من أبطالها. فيما قدم الثنائي الكوميدي سعيد ووديع، عرضا تفاعل معه الجمهور الحاضر.
وعبرت ساكنة مدينة طانطان، عن إعجابها بمختلف الأعمال التي قدمت بالمركز الثقافي للمدينة، وعن تواصلهم المباشر مع نجوم الشاشة الكبرى والكوميديا ببلادنا.
ورشات إبداعية وفنية لفائدة الأطفال
بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، احتضنت مدينة طانطان مجموعة من الورشات الفنية والتربوية الموجهة للأطفال، في أجواء احتفالية تجسد روح الانتماء والاعتزاز بالوطن.
وقد تنوعت هذه الورشات بين إبراز الثقافة الحسانية، والفنون التشكيلية، والأشغال اليدوية، والمسرح، والموسيقى، حيث أبدع الأطفال في تجسيد رموز المسيرة الخضراء وأبطالها، مستخدمين ألوانهم وخيالهم للتعبير عن قيم الوحدة والتضامن والوطنية التي رسختها هذه الملحمة التاريخية.
كما شكلت هذه الأنشطة فرصة لتعريف الناشئة بتاريخ المسيرة الخضراء، من خلال عروض توعوية تفاعلية وأنشطة تعليمية مبسطة ساهمت في تعزيز ارتباطهم بذاكرتهم الوطنية.
وقد عرفت الورشات مشاركة فعالة من الأطر التربوية والجمعيات الثقافية والفنية، الذين حرصوا على تأطير الأطفال وتشجيعهم على الإبداع والتعبير الحر.
وتندرج هذه المبادرة ضمن البرنامج الاحتفالي الشامل الذي عرفته مدينة طانطان بهذه المناسبة الوطنية الخالدة، والذي يهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة وتنمية الحس الفني لدى الجيل الصاعد، تأكيدا على أن المسيرة الخضراء ليست مجرد حدث تاريخي، بل مدرسة متجددة في حب الوطن والعطاء من أجله.
عروض الدرون لإبراز مسار المسيرة الخضراء
في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، أبهرت مدينة طانطان زوارها وسكانها بعروض الدرون الضوئية المبهرة، التي زينت سماء المدينة بلوحات فنية بصرية تجسد مسار المسيرة الخضراء ورموزها الوطنية الخالدة.
ففي مشهد تكنولوجي مدهش، تحولت سماء طانطان إلى فضاء سردي مفتوح يروي عبر الضوء والحركة قصة المسيرة الخضراء من بدايتها التاريخية سنة 1975، إلى رمزية وحدتها واستمرارية إشعاعها الوطني.
اصطفت عشرات الطائرات المسيرة لتشكل صورا ثلاثية للاحتفاء بالعلم الوطني الذي رفرف في الأفق، في لوحات جمعت بين الإبداع البصري والتعبير الوطني العميق.
كما عرضت الطائرات رسومات ضوئية تجسد خريطة المملكة المغربية من طنجة إلى الكويرة، في رسالة قوية تؤكد وحدة التراب الوطني واستمرار روح المسيرة في الأجيال الجديدة.
وقد رافقت هذه العروض مؤثرات صوتية ومقاطع موسيقية وطنية زادت من تأثيرها الفني والعاطفي، لتجعل الجمهور يعيش تجربة سحرية تجمع بين التكنولوجيا والذاكرة الوطنية.
هذه المبادرة الفنية غير المسبوقة في المدينة أبرزت كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تكون وسيلة لتخليد التاريخ، حيث جسدت طانطان من خلالها التحام الماضي بالحاضر، وجعلت من سمائها منصة مضيئة تروي قصة وطن يسير بثقة نحو المستقبل.
عروض المابينغ بطانطان بألوان العلم الوطني
احتفاءً بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، أضاءت مدينة طانطان إحدى لياليها بعروض المابينغ الضوئية المبهرة التي زينت واجهات معالمها الرئيسية بألوان العلم الوطني، في مشهد فني جمع بين الأصالة والتكنولوجيا وعبر عن عمق الانتماء للوطن.
فقد تحول قصر البلدية التاريخي إلى شاشات عملاقة ناطقة بالضوء، تعرض لوحات فنية تفاعلية تسرد فصول المسيرة الخضراء من خلال العلم المغربي الأحمر بنجمته الخضراء التي أضفت على الأجواء رونقا وطنيا مؤثرا.
امتزجت في هذه العروض الإضاءة، والموسيقى الوطنية، والمؤثرات البصرية لتشكل تجربة حسية متكاملة، يعيشها الجمهور بكل حماس وفخر، حيث تناغمت الصور والأنغام لتجسد رموز الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي خلف القيادة الرشيدة للمملكة.
وشكل هذا العرض الضوئي لحظة مؤثرة جمعت التاريخ بالتقنية، والفن بالانتماء، ليصبح المابينغ في طانطان تعبيرامعاصرا عن روح المسيرة الخضراء ورسالة بصرية تؤكد أن الهوية الوطنية تتجدد وتزدهر مع كل جيل.
ممر تفاعلي يحكي التاريخ المغربي بالصوت والصورة
ضمن فعاليات الاحتفال بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، شهدت مدينة طانطان إحداث ممر تفاعلي مبتكر يروي فصولا من التاريخ المغربي العريق من خلال الصوت والصورة والتقنيات الرقمية الحديثة، في تجربة فريدة جمعت بين المعرفة والإحساس والانغماس في الذاكرة الوطنية.
صُمم هذا الممر بأسلوب فني حديث يعتمد على الوسائط المتعددة، حيث يتنقل الزائر عبر فضاءات متتالية تحاكي محطات بارزة من تاريخ المغرب، بدءاً من العصور القديمة مروراً بعهد الدولة العلوية وصولاً إلى ملحمة المسيرة الخضراء وما تلاها من إنجازات وطنية.
يتفاعل الزوار مع شاشات عرض رقمية وصور ثلاثية الأبعاد ومؤثرات صوتية تحكي الأحداث بروحٍ حية، فتغدو التجربة أقرب إلى رحلة في الذاكرة منها إلى معرض تقليدي، إذ يعيش الزائر لحظات تجسد بطولات المغاربة وقيمهم الراسخة في الدفاع عن الوطن ووحدته.
ويهدف هذا الفضاء التفاعلي إلى تعزيز الوعي التاريخي لدى الأجيال الجديدة، وربطهم بجذورهم الوطنية بأسلوب عصري يجمع بين التعليم والترفيه والإبداع البصري، تأكيدا على أنالذاكرة المغربية ليست مجرد ماض يروى، بل حاضر يُعاش ومستقبل يُبنى.
معرض الصناعة التقليدية الصحراوية
بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، شهدت مدينة طانطان تنظيم معرض مميز للصناعة التقليدية، أقيم في فضاء بطابع صحراوي أصيل يعكس عمق الهوية الثقافية والتراث اللامادي للأقاليم الجنوبية للمملكة.
جاء هذا المعرض ليشكل ملتقى للإبداع والتراث، حيث اجتمع فيه حرفيون من مختلف مناطق الجنوب المغربي، قدموا من خلال أعمالهم نماذج فريدة من المنتجات التقليدية الصحراوية، كصناعة الجلد والخوص والفضة والنسيج والزرابي والزي التقليدي الصحراوي.
تميز الفضاء بتصميمه المستوحى من الخيام الصحراوية التي تحاكي أسلوب العيش البدوي الأصيل، مما أضفى على المعرض طابعا تراثيا مميزا، أتاح للزوار فرصة التجول في أجواء من الأصالة والدفء الثقافي.
كما تضمن المعرض أركانا لعرض الأزياء التقليدية ومنتجات محلية من العطور الصحراوية والكسكس البلدي والمشتقات النباتية، إلى جانب ورشات حية قدم فيها الحرفيون مهاراتهم في النقش والخياطة والتزيين.
ويهدف هذا الحدث إلى تثمين الحرف التقليدية الصحراوية، وتشجيع النساء والشباب الحرفيين على تطوير منتوجاتهم وتسويقها، في انسجام تام مع روح المسيرة الخضراء التي ترمز إلى العطاء والبناء واستمرار التنمية في الأقاليم الجنوبية.
صرحت أسماء كريميش، منتجة احتفالية الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء بمدينة طانطان، بأن هذا الحدث الوطني الكبير شكل لحظة استثنائية للاعتزاز بالهوية المغربية وتجديد روح الوحدة والتلاحم التي طبعت هذه الملحمة التاريخية الخالدة.
وأكدت كريميش أن الهدف من تنظيم هذه الاحتفالية هو تقديم تجربة فنية وثقافية متكاملة تترز غنى التراث المغربي وتجسد التحول الإيجابي الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية، من خلال برنامج يجمع بين الإبداع المعاصر والعمق الرمزي للمسيرة الخضراء.
وأضافت أن اختيار مدينة طانطان لاحتضان هذه الفعاليات لم يكن صدفة، بل لأنها تحمل رمزية خاصة في الذاكرة الوطنية وتشكل جسرا بين الماضي والمستقبل، مشيرة إلى أن المدينة استطاعت خلال أيام قليلة أن تتحول إلى منصة فنية وثقافية نابضة بالحياة، شارك فيها فنانون، أطفال، جمعيات، وحرفيون من مختلف أنحاء المغرب.
وأبرزت كريميش أن الرهان الأساسي لهذه التظاهرة هو إشراك الشباب والناشئة في تخليد الذكرى بأساليب حديثة، عبر الدرون والمابينغ والعروض التفاعلية، حتى تبقى المسيرة الخضراء حية في وجدان الأجيال الجديدة.
واختتمت تصريحها بالقول إن نجاح هذه الاحتفالية يعكس التلاحم القوي بين الفن والهوية الوطنية، مؤكدة أن طانطان أثبتت من جديد أنها مدينة قادرة على احتضان المبادرات الكبرى التي تحتفي بالمغرب، أرضا، وذاكرة، وإنسانا.