المطاردة الكونية في “المنطقة المنزوعة السلاح”: كيف أعاد نا هونغ جين صياغة سينما الخيال العلمي في مهرجان كان؟
شهدت السجادة الحمراء لمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته التاسعة والسبعين حدثًا استثنائيًا كسر النمطية السائدة في تاريخ المهرجان العريق، والذي طالما عُرف بانحيازه للسينما الواقعية والدراما النفسية على حساب سينما المؤثرات البصرية والأفلام الملحمية.
هذا التحول الجذري قاده المخرج الكوري الجنوبي الفذ **نا هونغ جين**، الذي سجّل عودة تاريخية بعد غياب استمر عشر سنوات كاملة منذ تحفته الفنية “النحيب” (The Wailing) عام 2016، ليفجر في وجه شاشات “كان” قنبلة سينمائية من طراز فريد تحمل اسم **”الأمل” (Hope)**.
الفيلم، الذي حظي بعرض عالمي أول على شواطئ مدينة “كان” الساحرة، لم يكن مجرد إضافة إلى السينما الكورية المتصاعدة عالميًا، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن انضمام نا هونغ جين إلى نادٍ صفوة صناع السينما العالمية الذين حققوا اعترافًا دوليًا كاسحًا، مقتفيًا أثر مواطنه بونغ جون هو صاحب “باراسايت”.
### ميزانية ضخمة وإيقاع سينمائي يحبس الأنفاس
في تصريحات خاصة أدلى بها لوكالة “أسوشيتد برس” قبيل ساعات من العرض، لم يخفِ نا هونغ جين توتره البالغ، قائلًا:
> “أنا متوتر للغاية، لم أتخيل بصراحة أن الأمر سيكون مثيرا للأعصاب إلى درجة حرمني فيها من النوم”.
>
لكن هذا التوتر سرعان ما تحول إلى عاصفة من التصفيق والذهول داخل قاعات العرض. ويُصنف فيلم “الأمل” كأحد أكثر المشاريع السينمائية تكلفة وضخامة في تاريخ الإنتاج الكوري الجنوبي، مقدّمًا وجبة بصرية وفكرية دسمة تمتد على مدار ساعتين وأربعين دقيقة دون أن تمنح المشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس.
تبدأ الحبكة من نقطة ريفية شديدة البساطة والغموض: العثور على جثة ثور ميت يحمل ندوبًا غريبة وغير مبررة في قرية نائية. ومن هذه الشرارة الفضولية، يتصاعد الإيقاع بشكل جنوني ودموي مذهل، ليتطور التحقيق المحلي إلى ملحمة خيال علمي كونية شديدة الجرأة. هذا المزيج الفريد ترك نقاد المهرجان بين مشدوه ومتحمس؛ حيث وصفت الناقدة جيسيكا كيانغ في مجلة “فارايتي” (Variety) الفيلم بأنه *”مضحك وجامح وطويل للغاية، ويضم بعض أكثر مشاهد الأكشن أناقة وجاذبية في صناعة السينما”*.
### توليفة تمثيلية عابرة للقارات: من سيئول إلى هوليوود
إلى جانب السيناريو المعقد، يرتكز الفيلم على أداء تمثيلي استثنائي يقوده النجم **هوانغ جونغ مين** في دور رئيس شرطة القرية، والذي تجره الأحداث من مجرد قضية جنائية محلية إلى مطاردة يائسة تحبس الأنفاس عبر “المنطقة المنزوعة السلاح” بين الكوريتين. وتسانده في هذه الرحلة الجنونية النجمة الصاعدة **جونغ هو يون** في دور ضابطة شرطة تواجه أهوالًا غير طبيعية، بالتوازي مع خط درامي منفصل يقوده النجم **زو إن سونغ** (ابن عم رئيس الشرطة) الذي يتتبع خيوطًا غامضة في أعماق الغابات المحرمة.
لكن المفاجأة الكبرى التي فجرها الفيلم وصنعت الحدث في “كان”، هي كسر الحواجز الهوّية بمشاركة النجم العالمي **مايكل فاسبندر** والنجمة الحائزة على الأوسكار **أليسيا فيكاندر**، واللذين جسدا أدوار كائنات فضائية غامضة ببراعة مذهلة.
وعن هذا البناء الدرامي، يوضح المخرج فلسفته قائلًا:
> “أردت التحدث عن قصة تبدأ بشيء تافه وبسيط للغاية، ولكن يمكنها البناء تدريجيا لتصل إلى شيء يؤثر في الكون بأسره. ومن أجل رواية هذه القصة بالشكل المطلوب، شعرت أنه يتعين علي إدخال عنصر الكائنات الفضائية”.
>
وفي مفاجأة لعشاق سينما نا هونغ جين، كشف المخرج أنه انتهى بالفعل من كتابة جزء ثانٍ للفيلم تدور أحداثه بالكامل في الفضاء الخارجي، وسيركز بشكل أكبر على شخصيتي فاسبندر وفيكاندر، مشيرًا إلى أن عمليات المونتاج الطويلة والمعقدة والعمل المضني على المؤثرات البصرية (CGI) هي السبب وراء استغراق الجزء الأول عقدًا كاملاً من الزمن ليخرج للنور.
### ما وراء الوحوش: تشريح “فوبيا الأجانب” والصراعات الكونية
رغم أن الفيلم يبدو للوهلة الأولى كأنه ينتمي إلى سينما الحركة والتشويق التجاري الفاخر، فإن نا هونغ جين لم يتخلّ عن ثيماته الفكرية والفلسفية الثقيلة التي ميزت مسيرته. فالتحول المفاجئ في الفيلم من “سينما الوحوش” الكلاسيكية إلى “الخيال العلمي الكوني” ليس مجرد استعراض بصري، بل هو نفاذ مباشر إلى عمق الدوافع الإنسانية المقلقة.
ينطلق الفيلم من فكرة مراقبة كفاح البشر الصعب في تقبل وفهم الآخر المختلف. ويشرح المخرج هذا البعد الفكري لـ”أسوشيتد برس” قائلاً:
> “لقد بدأت بالتركيز على قضايا رهاب الأجانب (Xenophobia) ومشاكل المهاجرين، ولكن مع تطويري للقصة، تحولت إلى سردية أكبر بكثير. في أي مأساة كبرى لا تنشأ المعاناة بالضرورة من نوايا خبيثة أو شريرة؛ بل يبدأ كل شيء من الاختلاف في وجهات النظر. أعتقد أن هذا الصراع في المنظور أو سوء الفهم المشترك هو الذي يخلف تلك الاصطدامات الكونية المروعة، وهذا تحديدا ما أردت مناقشته وطرحه على الشاشة”.
بفيلم “الأمل”، يثبت نا هونغ جين أن سينما الخيال العلمي والوحوش يمكنها أن تحمل عمقًا فلسفيًا يضاهي أعقد الأفلام الدرامية. لقد نجح الفيلم في تحويل الشاشة الرمزية للمنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين إلى مرآة تعكس صراعات العالم المعاصر وقلقه الوجودي من “الآخر”، ليغادر جمهور مهرجان كان القاعة وهم لا يتساءلون فقط عن مصير البشرية في الجزء القادم، بل عن قدرة الإنسان على فهم أخيه الإنسان قبل أن تصطدم العوالم ببعضها.