السينما العربية في “كان” 2026: قصص محلية بأبعاد عالمية.. 6 أفلام ترفع لواء الإبداع من المحيط إلى الخليج

مع انطلاق الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي الدولي، العرس السينمائي الأرقى عالمياً، تتجه الأنظار هذا العام نحو الريفييرا الفرنسية ليس فقط لمتابعة بريق هوليوود، بل لرصد الحضور العربي الطاغي الذي بات يفرض نفسه كقوة إبداعية لا يمكن تجاهلها. وبمشاركة أفلام من المغرب، فلسطين، السودان، اليمن، وسوريا، تؤكد السينما العربية في نسخة 2026 أنها تعيش مرحلة ذهبية من النضج الفني، متنقلةً بين أقسام المهرجان المرموقة من “نظرة ما” إلى “أسبوع المخرجين” و”أسبوع النقاد”.

تتميز المشاركات العربية هذا العام بقدرتها الفائقة على تحويل القضايا المحلية الشائكة إلى لغة بصرية شاعرية وإنسانية عابرة للحدود، مبتعدة عن الخطاب المباشر لتغوص في عوالم الذاكرة، الهوية، والصمود النسائي.

معاناة وذاكرة: السينما المغربية والسورية في مواجهة الواقع

في قسم “نظرة ما”، تعود المخرجة المغربية ليلى المراكشي بفيلمها «الأكثر حلاوة»، وهو عمل مغربي إسباني مشترك يسلط الضوء على “الجانب المر” لحياة العاملات المغربيات في مزارع الفراولة بإسبانيا. المراكشي، التي عُرفت بجرأتها، اختارت هذه المرة لغة المشاعر الصامتة والتفاصيل اليومية المنهكة لتوثيق الاستغلال والضغوط النفسية التي تواجهها النساء بعيداً عن أوطانهن.

أما السينما السورية، فتحضر في “أسبوع النقاد” بفيلم «نفرون» للمخرج عبدالله داوود. الفيلم يغوص في أعماق الدراما النفسية، متناولاً قصة امرأة تفقد ذاكرتها في دمشق، لتصبح رحلة استعادة الهوية مرآة لمدينة تحاول التعافي من جراح الصراعات. بلمسات بصرية قاتمة، يقدم داوود معالجة فنية لأثر الحروب على الروح الإنسانية، متجاوزاً السرد التقليدي للأزمات.

البعد الإنساني والأسطورة: فلسطين واليمن تحت المجهر

من جانبه، يقدم المخرج الفلسطيني راكان مياسي أول تجاربه الروائية الطويلة «البارحة عيني ما نامت» ضمن قسم “نظرة ما”. في قرية بدوية بمنطقة البقاع، ينسج مياسي خيوط قصة حب معقدة تتصادم مع العادات القبلية والرمزية الأسطورية للمكان. الفيلم، الذي طال انتظاره، يعتمد على توتر نفسي عالٍ ولغة بصرية شاعرية تضعه في قائمة الأفلام المرشحة بقوة للفت انتباه لجنة التحكيم.

وفي سياق متصل بتمكين المرأة، تبرز المخرجة اليمنية-الاسكتلندية سارة إسحاق بفيلمها «المحطة» في “أسبوع النقاد”. الفيلم يروي قصة ملهمة لامرأة تدير محطة وقود للنساء فقط في اليمن، متحديةً ظروف الحرب والقيود الاجتماعية. العمل لا يكتفي بعرض الأزمة السياسية، بل يحتفي بالاستقلال الفردي ودور المرأة القيادي في أقسى الظروف.

تجارب مغايرة: الوثائقي السوداني والمغربي

يستمر الحراك السينمائي السوداني في التوهج مع المخرج إبراهيم عمر بفيلمه القصير «لا شيء يحدث بعد غيابك» المشارك في “أسبوع المخرجين”. الفيلم يمثل تياراً جديداً في السينما السودانية يعتمد على البساطة البصرية والدلالات النفسية العميقة حول الفقد والغياب، مؤكداً أن المخرجين السودانيين الشباب باتوا يمتلكون بصمة فنية خاصة جداً.

أما السينما الوثائقية المغربية، فتتمثل في فيلم «البحث عن الطير الرمادي ذو الإشارة الخضراء» للمخرج سعيد هاميش بن العربي. الفيلم الذي ينافس في “أسبوع المخرجين”، يتجاوز حدود الوثائقي التقليدي ليدخل منطقة التجريب الفني والتأمل البصري، باحثاً في الذاكرة والرحلات الداخلية للإنسان من خلال إيقاع هادئ وصور طبيعية خلابة.

خاتمة: مهرجان كان.. منصة لنهضة عربية

إن تنوع المشاركات العربية في دورة 2026 يؤكد أن “الفن السابع” في المنطقة العربية قد تجاوز مرحلة “التواجد” إلى مرحلة “التأثير”. فبينما يستمر المهرجان حتى 23 مايو، يبقى الرهان على قدرة هذه الأفلام في اقتناص الجوائز، لتثبت أن القصص النابعة من قلب المعاناة والبيئات المحلية هي الأكثر قدرة على ملامسة وجدان الجمهور العالمي في “كروازيت” كان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.