مهرجان كان في دورته الـ79: عندما تنحني الشاشة الكبيرة إجلالاً لعباقرة الفن السابع
انطلقت في مدينة كان الفرنسية فعاليات الدورة التاسعة والسبعين للمهرجان السينمائي الأكثر عراقة في العالم، وسط أجواء تجمع بين سحر النجوم والزخم السياسي والاجتماعي. وتميز حفل الافتتاح الذي أقيم الثلاثاء بمرور كوكبة من الأيقونات العالمية على السجادة الحمراء، يتقدمهم المخرج النيوزيلندي بيتر جاكسون، والممثل الأمريكي إيليا وود، والممثلة الصينية غونغ لي، إلى جانب جين فوندا، إيذاناً ببدء سباق فني محموم يضم 22 فيلماً اختيرت بعناية من بين 2500 عمل عالمي.
ورغم الغياب اللافت للاستوديوهات الهوليوودية الكبرى عن هذه النسخة، إلا أن المهرجان لم يفقد بريقه؛ إذ تزدان الدورة بحضور أسماء ثقيلة مثل كايت بلانشيت، خافيير بارديم، بينيلوبي كروز، وماريون كوتييار. كما شهدت الليلة الافتتاحية لمسة تكريمية خاصة بمنح جائزة تقديرية لكل من النجمة الأمريكية باربرا سترايسند والمخرج بيتر جاكسون، تقديراً لمسيرتهما الحافلة وإسهاماتهما في صناعة الفن السابع.
ويقود لجنة التحكيم هذا العام “ملك أفلام الرعب” الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك، وتشاركه في المهمة الممثلة الأمريكية ديمي مور، للإشراف على منافسة شرسة بين أسماء مخضرمة مثل الإسباني بيدرو ألمودوفار والأمريكي جيمس غراي بفيلمه “بايبر تايغر”، ومخرجين صاعدين يمثلون “دم السينما الجديد” كالفرنسي أرتور هراري والإسباني رودريغو سوروغوين. وتأتي هذه الدورة بعد فوز الإيراني جعفر بناهي بالسعفة الذهبية العام الماضي عن فيلمه “كان مجرّد حادث”.
وتسيطر النزعة التاريخية على المسابقة الرسمية لعام 2026، حيث يسعى صناع الأفلام إلى “إعادة التاريخ إلى الحاضر” كما وصفها المندوب العام للمهرجان تييري فريمو. وتبرز في هذا السياق أفلام تتناول المقاومة الفرنسية ونظام فيشي والحرب الأهلية الإسبانية، بالإضافة إلى أعمال وثائقية وروائية تسلط الضوء على صراعات سياسية وإنسانية في إيران ورواندا، فضلاً عن فيلم “مينوتور” للروسي أندريه زفياغينتسيف الذي يتناول تداعيات التجنيد العسكري في روسيا.
وخارج إطار المنافسة، تحضر القضايا الاجتماعية والسياسية الفرنسية بقوة، حيث يعرض فيلم “لاباندون” الذي يخلد الأيام الأخيرة للمدرس صامويل باتي، وفيلم “لافير ماري-كلير” الذي يجسد نضال المحامية جيزيل حليمي. ومع ذلك، لم يخلُ المهرجان من الجدل؛ إذ واجه انتقادات من حركة “50/50” النسوية التي وصفت ملصق المهرجان بـ “التسويق الزائف للنسوية” نظراً لمشاركة خمس مخرجات فقط في المسابقة الرسمية، بينما وقع مئات السينمائيين عريضة تندد بتزايد نفوذ اليمين المتطرف في القطاع السينمائي.
ومع بدء العروض الرسمية بفيلم “ناغي دايري” للياباني كوجي فوكادا، تترقب الأوساط السينمائية ما ستسفر عنه النتائج في 23 أيار/مايو الجاري. وفي ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة، يبقى السؤال قائماً حول مدى قدرة المهرجان على الحفاظ على صبغته الفنية بعيداً عن ضغوط الحروب، وهو ما حسمه فريمو بقوله إن سياسة المهرجان تعتمد في الأساس على مدى ارتباط الأفلام المختارة بالواقع السياسي للعالم.